وصف المدون

عاجل الأن



بقلم: زياد البلعيدي

إن ما تعيشه تونس من تحولات سياسية واجتماعية منذ 25 جويلية 2021، لا يُمكن قراءته بمعزل عن الحاجة الملحّة لإعادة التفكير في منظومة الحكم وأسس التمثيل الشعبي. ومن هذا المنطلق، يبرز البناء القاعدي لا كخيار تقني فحسب، بل كمشروع وطني بديل يسعى إلى إعادة الاعتبار لإرادة الشعب وخلق ديناميكية سياسية جديدة تنبع من القاعدة وتنتظم تصاعديًا.

لقد أثبتت التجربة خلال العشرية الأخيرة أن النظام النيابي التقليدي، القائم على التحاصص الحزبي والمصالح الضيقة، قد عجز عن تلبية تطلعات المواطنين، لا سيما في الجهات المهمّشة التي بقيت لعقود رهينة للوعود والانتظار. وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة، تكون فيها السيادة فعلًا للمواطن لا شعارًا مناسباتيًّا.

ما هو البناء القاعدي؟

في جوهره، يقوم البناء القاعدي على إرساء مجالس محلية منتخبة مباشرة من المواطنين في كل معتمدية، تكون هذه المجالس مسؤولة عن تحديد الأولويات التنموية، ورسم السياسات المحلية، ومتابعة تنفيذ المشاريع.
ثمّ، وبطريقة تشاركية، يقع اختيار ممثلين عن هذه المجالس لتشكيل مجالس جهوية، والتي بدورها تُشارك في تركيبة المجلس الوطني، وفق مبدأ التدرّج من القاعدة إلى القمّة.

وبالتالي، يُصبح المواطن فاعلًا أساسيًا في القرار السياسي، لا مجرد ناخب موسمي، ويُمنح آلية لمساءلة من يمثّله وسحب ثقته عند الاقتضاء، مما يُكرّس ثقافة المحاسبة المباشرة ويقطع مع الإفلات من المسؤولية.

أهمية هذا المشروع في السياق التونسي:

أولًا، لأنه يفكّك منظومة المركزية التي خنقت المبادرات المحلية وكرّست التفاوت الجهوي.
وثانيًا، لأنه يفتح المجال أمام دمقرطة التنمية، من خلال إعطاء السلطة التقريرية للمجالس المحلية المنتخبة، وفقًا لخصوصيات كل منطقة واحتياجاتها الواقعية.
وثالثًا، لأنه يُعيد ثقة المواطن في العمل السياسي، ويحفّزه على الانخراط في الشأن العام من موقع الفعل لا التلقي

تحديات التنفيذ وآفاقه:

بطبيعة الحال، لا يخلو هذا النموذج من تحديات.
فمن جهة، يتطلب الأمر تأهيلًا إداريًا وتشريعيًا دقيقًا يضمن نجاعة عمل المجالس القاعدية، ويوفّر لها الإمكانيات المالية واللوجستية اللازمة.
ومن جهة أخرى، يُفترض في المواطن أن يكون واعيًا بحقوقه وواجباته، متسلّحًا بثقافة المشاركة لا ثقافة التبعية.

ومن هنا، فإن نجاح البناء القاعدي لا يُقاس فقط بمدى إرساء المجالس، بل بمدى قدرتنا جميعًا – مسؤولين ومجتمعًا مدنيًا ومواطنين – على تحويله إلى ممارسة ديمقراطية حقيقية تُعلي من شأن العدالة الاجتماعية والمساواة في الفرص.

إنّ البناء القاعدي ليس مجرّد آلية إدارية بديلة، بل هو رؤية وطنية متكاملة لإعادة التوازن إلى المشهد السياسي، وردّ الاعتبار للجهات والمواطنين.
ومن موقعي كنائب بالمجلس المحلي للتنمية بعين دراهم، أؤكد أن هذا المشروع يتطلب منّا جميعًا وعيًا، وانخراطًا، وإيمانًا بأن السيادة لا تُهدى، بل تُمارَس.
ولعلّ ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى، هو أن نُعيد تعريف الديمقراطية على مقاس الحاجات الحقيقية للشعب، لا على مقاس نُخب تتكلّم باسمه دون أن تُنصت لصوته.

إعلان وسط الموضوع

إعلان أخر الموضوع

Back to top button

يمكنكم متابعتنا

يمكنكم متابعتنا