.تصعيد بين مجلس النواب والأعلى للدولة يعيد ملف المفوضية إلى واجهة الخلاف...
.تحذيرات أممية من الانقسام المؤسسي ومخاطر تقويض نزاهة الاستحقاق الانتخابي....
يعكس التصعيد القائم بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في المشهد السياسي الليبي، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية مع حسابات النفوذ وصراع الشرعية، في وقت يفترض أن تكون فيه المفوضية أداة محايدة لتأمين الانتقال الديمقراطي لا موضوعًا للصراع ذاته.
فالمفوضية، التي نجحت خلال السنوات الماضية في الحفاظ على قدر من التماسك والكفاءة الفنية رغم الانقسام السياسي الحاد، تجد نفسها اليوم مهددة بأن تتحول إلى ساحة جديدة للاصطفاف، بما قد يقوض ما تبقى من الثقة في المسار الانتخابي برمته.
تحذير بعثة الأمم المتحدة من مخاطر الإجراءات الأحادية لا يمكن قراءته بمعزل عن التجربة الليبية السابقة، حيث أدت قرارات مماثلة إلى انقسامات مؤسسية عميقة عطلت عمل الدولة وأفرغت الاستحقاقات السياسية من مضمونها.
فإعادة تشكيل المفوضية دون توافق بين المجلسين لا تعني فقط تغيير أسماء أو هياكل إدارية، بل تمس جوهر استقلال المؤسسة، وتفتح الباب أمام التشكيك في نزاهة أي انتخابات تشرف عليها، وهو ما يجعل العملية الانتخابية عرضة للطعن السياسي حتى قبل انطلاقها.
ويبدو أن الخلاف الحالي يتجاوز الإطار التقني ليعكس أزمة أعمق تتعلق باستمرار المرحلة الانتقالية نفسها. فمنذ إطلاق خارطة الطريق السياسية في أوت 2025، ظل ملف المفوضية معلقًا، في دليل واضح على غياب الإرادة السياسية لإنهاء هذا المسار الطويل.
فكل طرف يدرك أن التحكم في المفوضية يعني امتلاك ورقة مؤثرة في تحديد قواعد اللعبة الانتخابية، سواء من حيث الإطار القانوني، أو توقيت الاستحقاقات، أو حتى إدارة النتائج، ما يجعل التوافق حولها أمرًا بالغ الصعوبة في ظل انعدام الثقة المتبادل.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف حقيقية من أن يؤدي التصعيد الحالي إلى فتح فصل جديد من الانقسام المؤسسي، لا سيما إذا ما أُجبرت المفوضية على الانحياز أو وُضعت أمام واقع مزدوج للشرعية. مثل هذا السيناريو سيقود حتمًا إلى إضعاف قدرتها على أداء دورها، ويعيد إنتاج نموذج المؤسسات المنقسمة الذي عانت منه ليبيا طويلاً، ويجعل من تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية تحظى بقبول واسع أمرًا شبه مستحيل.
من جهة أخرى، تحاول البعثة الأممية الإمساك بخيط رفيع بين الدعوة إلى التوافق والحفاظ على استمرارية العمل، عبر تأكيد استعدادها لدعم المجلسين في الوصول إلى حل توافقي، مع مواصلة التعاون مع مجلس المفوضين الحالي. غير أن هذا الدور، على أهميته، يبقى محدود الأثر ما لم يُترجم داخليًا إلى تنازلات متبادلة وإدراك جماعي بأن استمرار الصراع حول المفوضية لن يفضي إلا إلى إطالة أمد الانسداد السياسي وتعميق فقدان الثقة الشعبية.
تكشف أزمة المفوضية أن المشكلة في ليبيا لم تعد تكمن في غياب الأطر القانونية أو المؤسسات، بقدر ما تكمن في توظيفها كأدوات في صراع الشرعيات. فبدل أن تكون الانتخابات مخرجًا من الأزمة، باتت شروط تنظيمها نفسها موضع نزاع، ما ينذر بأن أي حل لا يقوم على توافق حقيقي واحترام استقلال المفوضية سيظل هشًا وقابلًا للانهيار، ويؤجل مرة أخرى حلم الليبيين في بناء سلطة منتخبة وموحدة.
شمس اليوم نيوز
