
ما يحدث في فرنسا ليس شأنًا فرنسيًا خالصًا. حين يهتزّ اقتصاد شريك يستوعب قرابة 23% من صادراتنا السلعية، ويبلغ حجم المبادلات التجارية بيننا وبينه مليارات اليوروهات، فإنّ الارتجاج لا يحتاج إلى تأشيرة دخول كي يصل إلى تونس. يكفي أن تتراجع طلبيات المصانع الفرنسية، أو تنكمش القدرة الشرائية، حتى تجد مؤسساتنا المصدّرة نفسها أمام طلب أقلّ ومواطن شغل أكثر هشاشة. وإذا ارتفعت أسعار الطاقة عالميًا، فإنّ فاتورتنا ستكون أثقل؛ فقد بلغ العجز التجاري التونسي سنة 2025 نحو 21.8 مليار دينار، منها 11.14 مليار دينار في الطاقة وحدها
والخطر أنّنا لا نملك ترف الانتظار حتى نعرف من سينتصر في المعركة السياسية الفرنسية. الفاتورة تتحضّر، وربما تدفعها مؤسساتنا ومواطنونا قبل أن تنتهي نشرات الأخبار من تحليل آخر تصريح لماكرون. لذلك، المطلوب ليس الصراخ في وجه الأزمة، بل إعادة التفكير بجدية في خياراتنا الاقتصادية والتجارية.
الفاتورة تدقّ أبوابنا الآن، والمطلوب عاجلًا أن نتوجّه بجدية أكبر نحو القطب الصيني والروسي، وأن نبحث عن فرص حقيقية في إفريقيا، من دون أن نقطع علاقاتنا التقليدية مع أوروبا.
الصين سوق هائلة، وقد دخل الإعفاء الجمركي الصيني على الصادرات التونسية حيّز التنفيذ في ماي 2026 لمدة عامين، وهو فرصة ينبغي تحويلها إلى عقود تصدير فعلية، لا إلى خبر جميل نستهلكه يومين على مواقع التواصل. وروسيا وفضاء أوراسيا يقدّمان بدورهما إمكانات للتجارة في المنتجات الفلاحية والغذائية وغيرها، وقد بحث مركز النهوض بالصادرات في أفريل 2026 فرص تطوير المبادلات معها. أمّا إفريقيا، فهي ليست مجرّد شعار نرفعه في المؤتمرات؛ صادراتنا إليها بلغت نحو 6.88 مليارات دينار سنة 2025، ويمكن أن تصبح مجالًا أوسع للصناعات والخدمات والمنتجات التونسية.
لكن لنكن واضحين: تغيير الوجهة لا يعني استبدال تبعية بأخرى. فالصين، مثلًا، كانت أكبر مصدر لعجز تونس التجاري سنة 2025، بعجز يقارب 10.9 مليارات دينار. لذلك، لا يكفي أن نفتح أبواب الاستيراد؛ يجب أن نفتح أبواب التصدير، ونفاوض على الاستثمار ونقل التكنولوجيا، ونبحث عن شراكات تخلق القيمة ومواطن الشغل.
وهنا يأتي دور السياسة. المعارضة مطالبة بأن تكون وطنية قبل كل شيء تعارض الحكومة وتحاسبها، لكن عليها أيضًا أن تقترح بدائل اقتصادية، وأن تسائلها عن الأسواق الجديدة، وعن خطط التصدير، وعن أمن الطاقة. الوطنية ليست أن تصفّق للسلطة، وليست أن تفرح بأي أزمة تصيب البلاد حتى تحرج خصمًا سياسيًا. من يكتفي بتسجيل النقاط على خصمه بينما الاقتصاد يخسر الأسواق، يشبه معلّقًا رياضيًا يحتفل بهدف لفريقه والمدرّجات تحترق!
فرنسا قد تتجاوز أزمتها، وأوروبا قد تستعيد توازنها، لكنّ تونس مطالبة بألّا تبقى رهينة انتظار ما يقرّره الآخرون. نحتاج إلى دبلوماسية اقتصادية تتحرّك، ومؤسسات تصدّر، وإدارة تفتح الأسواق بدل أن تغلقها بالإجراءات، ورؤية تعتبر الصين وروسيا وإفريقيا فرصًا تستحق الدراسة والتفاوض والعمل.
العالم لا ينتظرنا حتى ننتهي من خصوماتنا. فإذا كانت الدول الكبرى تعيد حساباتها تحت ضغط المصالح، فليس من المعقول أن نبقى نحن أسرى الحسابات الحزبية الصغيرة. الأزمة ليست فقط فيما يحدث في فرنسا؛ الأزمة الأكبر أن تصلنا الفاتورة، فنكتشف أنّنا لم نُعِدّ البدائل، ولم نوسّع الأسواق، ولم نتفق حتى على أنّ تونس يجب أن تأتي أولًا.
بقلم شكري بن حسين