تشهد الساحة الأوروبية اتساعاً ملحوظاً في رقعة الاضطرابات الاجتماعية؛ فرغم انطلاق شرارة التحركات من فرنسا، إلا أن انتقالها إلى خمس دول أخرى—هي إيطاليا وبلجيكا والبرتغال وإسبانيا وألبانيا—لا يعكس مجرد صدى عابر، بقدر ما يكشف عن هشاشة بنيوية وضغوط معيشية واقتصادية متراكمة تعاني منها مجتمعات القارة. 

وعلى الرغم من تباين الدوافع المباشرة وغياب التنسيق المركزي الموحد بين هذه الاحتجاجات، فإن خيطاً ناظماً يجمع بينها يتمثل في تآكل القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة الأساسية، وفي مقدمتها أزمة السكن الخانقة التي تجلت بوضوح في شبه الجزيرة الإيبيرية؛ حيث دفعت الطفرات الحادة في أسعار العقارات والإيجارات، وتراجع الأجور الحقيقية وتفاقم العجز السكني، المواطنين في لشبونة وبورتو والمدن الإسبانية إلى الشارع ونصب المخيمات لمواجهة الإخلاء القسري وتغول الصناديق الاستثمارية.

​ويتوازى هذا السخط المعيشي مع نقمة متصاعدة ضد السياسات التقشفية وتراجع الإنفاق على الخدمات الحيوية، وهو ما ترجمته التظاهرات في بلجيكا اعتراضاً على تقليص الميزانيات التعليمية وتدهور المرافق العامة، وما عكسته أيضاً المسيرات الإيطالية الرافضة لتردي منظومة الرعاية الصحية والتحول نحو اقتصاد موجه للأزمات الخارجية على حساب الداخل.

 وفي خضم هذا الاحتقان، أخذت التحركات منحى تصعيدياً حاداً طغت عليه لغة العنف الميداني؛ إذ تحولت الاحتجاجات في مدن مثل ميلانو وتورينو ولييغ إلى مواجهات مباشرة واستقطاب أمني واسع النطاق طال شريحة واسعة من صغار السن والقاصرين عبر أعمال التخريب والنهب والمواجهات مع الشرطة. 

هذا الانزلاق نحو الصدام تكرس بصورة أشد راديكالية في الحالة الألبانية، حيث كشفت الأحداث سرعة تحول المطالب القطاعية المحدودة—كالتعليم—إلى حراك سياسي مباشر يستهدف مقرات الدولة والحزب الحاكم احتجاجاً على الفساد والمطالبة برحيل الحكومة، مخلفة مئات المصابين. 

هذه المشهدية المشتركة  تبرز حالة من الانفصال المتزايد بين أولويات الحكومات الأوروبية وتطلعات الشارع، محولة الغضب الاجتماعي من ملفات قطاعية متفرقة إلى أزمة ثقة شاملة تضع الاستقرار الداخلي والمؤسسات العامة في مواجهة مباشرة مع شارع منهك اقتصادياً.


شمس اليوم نيوز