إلى أصحاب القرار في بلادنا إن ما يحدث اليوم مع مرضى الأورام والأمراض المناعية والنادرة والمعقدة والمزمنة والأمراض النفسية والعقلية تجاوز حدود النقص الإداري أو التعثر الإجرائي، وأصبح مسألة تمس حياة الإنسان الليبي مباشرة، وتهدد فرصه في العلاج والنجاة. مريض السرطان الذي ينتظر دواءه والمصاب بمرض مناعي يحتاج علاجا مستمرا، والمريض بمرض نادر أو معقد لا يحتمل انقطاع علاجه، ليس ملفا في مكتب ولا رقما في منظومة ولا طلبا ينتظر دورة مستندية إنه إنسان قد يكون الوقت بالنسبة إليه فارقا بين الاستجابة والتدهور وبين الحياة والموت. لقد آن الأوان لاتخاذ قرار وطني واضح وحاسم يجعل توفير الأدوية الآمنة والفعالة والمضمونة لهذه الأمراض مسؤولية مباشرة وحصرية للدولة، من خلال مرافقها الصحية العامة والمنافذ التي تحددها الجهات الصحية المختصة، مع إنشاء سلسلة إمداد دوائية مغلقة ومحكمة تبدأ من الشراء والاستيراد والتسجيل والفحص والتخزين والنقل، وتنتهي بوصول الدواء إلى المريض المستحق، مع التتبع الكامل لكل عبوة وكل مرحلة من مراحل تداولها. ولا ينبغي أن تترك هذه الأدوية شديدة الحساسية للتداول العشوائي خارج المنظومة الصحية الرسمية، أيا كان مصدره حماية للمرضى من الأدوية المغشوشة والمقلدة والمهربة، ومن سوء التخزين والنقل، ومن اختلاف الأسعار وارتفاعها، ومن غياب الرقابة وضياع المسؤولية. وينبغي أن يمتد هذا التنظيم إلى الخدمات التشخيصية والعلاجية المرتبطة بهذه الأمراض بما فيها المختبرات الطبية المتخصصة والباثولوجية والتشخيص الجيني والأشعة التشخيصية والتداخلية والخدمات العلاجية المتقدمة، بحيث تتوافر ضمن منظومة عامة متكاملة، لا تترك المريض يتنقل بين جهات متفرقة بحثا عن فحص أو دواء أو تقرير أو علاج، ولا تدفعه الحاجة إلى اللجوء إلى سوق غير منضبط يضاعف معاناته المالية والصحية. إن علاج هذه الأمراض لا يحتمل تجزئة المسؤولية بين أجسام وهيئات وصناديق ومؤسسات متعددة تتداخل اختصاصاتها وتتعقد إجراءاتها وتتكرر فيها حلقات الإنفاق والقرار. ولذلك فإن إعادة تنظيم هذا الملف تستوجب مراجعة شاملة لكل الهيئات والمؤسسات والبرامج القائمة وإلغاء ما يثبت عدم جدواه أو ازدواج اختصاصه أو استنزافه للمال العام دون أثر صحي حقيقي ودمج الاختصاصات والموارد داخل منظومة صحية وطنية واضحة المسؤولية والاختصاص والمحاسبة. المال الذي ينفق على الهياكل والإجراءات ينبغي أن يتحول إلى دواء وفحص وعلاج ورعاية تصل إلى المريض في الوقت المناسب. ولا يجوز أن يصبح التعقيد البيروقراطي سببا في تأخير علاج مريض، ولا أن تتحول الموافقات والإجراءات إلى حاجز بين الإنسان والدواء. الوقت في الأورام والأمراض المعقدة ليس تفصيلا إداريا الوقت جزء من العلاج نفسه. وكل يوم تأخير يعني تطورا للمرض أو فقدان فرصة علاجية أو زيادة في الألم والتكلفة والمضاعفات. ليبيا دولة غنية بمواردها الطبيعية والإنفاق على علاج مواطنيها ليس منة ولا إحسانا، وإنما مسؤولية الدولة تجاه الإنسان الذي تقوم الدولة لخدمته وحمايته. والدواء الآمن والعلاج الضروري والفحص التشخيصي المتكامل يجب أن يصل إلى المريض الليبي مجانا، بصورة منظمة وعادلة وسريعة، إن المطلوب اليوم ليس لجنة جديدة ولا برنامجا مؤقتا ولا حلا ارتجاليا آخر، وإنما قرار وطني حاسم يعيد ملف هذه الأمراض إلى منظومة صحية عامة واحدة، بتمويل واضح ومسؤولية واضحة وسلسلة إمداد مغلقة ومخزون استراتيجي ونظام تتبع ورقابة وخدمات تشخيصية وعلاجية متكاملة، وقاعدة بيانات وطنية دقيقة، ومحاسبة صريحة عن كل تأخير أو انقطاع أو هدر. يا أصحاب القرار المرضى لا يملكون رفاهية الانتظار حتى تنتهي الخلافات الإدارية، ولا يستطيع ذووهم تحمل تكلفة سوق صحي تجاري ولا يجوز أن تتحول ندرة الدواء إلى قدر محتوم. إن استمرار فقدان الأدوية ونقص الفحوصات المتخصصة، وتشتت الخدمات وتأخر العلاج، ليس مجرد خلل في الإدارة الصحية إنه خطر مباشر على صحة الإنسان الليبي وعلى الأمن الصحي الوطني. هذا نداء عاجل لاتخاذ القرار الآن أرجوكم وفروا الدواء وأمنوا الفحص ووحدوا الخدمة وأغلقوا منافذ العبث بالدواء وأوقفوا الهدر والتكرار وواجعلوا المريض هو نقطة النهاية لكل دينار ينفق على الصحة. فحياة الإنسان لا تنتظر والمرض لا يؤجل نفسه حتى تكتمل الإجراءات.
*إنها مسؤولية تحاسبون عليها أمام الله*
د.علي المبروك أبوقرين
