تحليلياً، لا يعكس موقف حفتر بالضرورة تراجعاً عن مشروعه السياسي بقدر ما يجسد انتقالاً براغماتياً من استراتيجية الفرض بالقوة إلى "التفاوض من موقع السيطرة". يدرك معسكر الشرق أن استدامة حالة الجمود والانقسام باتت مكلفة سياسياً واقتصادياً، وأن الدخول كطرف ضامن للعملية الانتخابية يتيح له توجيه المرحلة الانتقالية وصياغة مخرجاتها من الداخل، بدلاً من التموضع في خانة المعرقل. إنها محاولة لإعادة إنتاج الشرعية عبر صناديق الاقتراع بعد أن استنفدت الخيارات العسكرية مداها، مستنداً في ذلك إلى قدرته الميدانية على فرض شروطه التفاوضية وقواعد اللعبة الانتخابية المقبلة.
في المقابل، يصطدم هذا المسار بهشاشة سياسية عميقة تجعل قابليته للصمود موضع تساؤل كبير؛ فالاعتراضات الفورية التي أبدتها رئاسة المجلس الأعلى للدولة وتحفظات رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي تكشف عن هوة واسعة بين الأطراف الفاعلة حول شرعية التفاهمات الثنائية وتوازنات السلطة التنفيذية المؤقتة. إن التجربة الليبية تثبت أن وفرة المبادرات لم تكن يوماً حلاً للمعضلة، طالما بقيت آليات إنفاذ نتائج الانتخابات وضمان قبول الخاسرين غائبة. وبالتالي، فإن الزخم الدولي والعربي المرافق للاتفاق سيظل مجرد مناورة تكتيكية جديدة ما لم يُترجم دعم حفتر إلى تنازلات متبادلة على الأرض، وإلا فإن صيغة «4+4» لن تعدو كونها إطاراً قانونياً مستحدثاً لإعادة إنتاج الانقسام وإدارته بأدوات ناعمة.
