لم تعد المخدرات في تونس مجرد قضية أمنية أو جنائية تُعالج عبر حملات المداهمة وإيقاف المروجين، بل تحولت إلى إحدى أخطر القضايا المجتمعية التي تهدد الأمن الوطني، والصحة العامة، والتماسك الأسري، ومستقبل فئة واسعة من الشباب. 

فخلال السنوات الأخيرة، شهدت البلاد تصاعدًا غير مسبوق في مؤشرات الاستهلاك والاتجار بالمخدرات، بما يعكس تحولًا عميقًا في طبيعة الظاهرة وفي حجم المخاطر التي تفرضها على الدولة والمجتمع.

وتؤكد المعطيات الرسمية هذا المنحى التصاعدي؛ إذ سجلت تونس خلال سنة 2025 أكثر من 15,253 قضية مخدرات تورط فيها 27,338 شخصًا، مع ضبط أكثر من 10,500 مروج.

بينما تشير البيانات الصادرة عن وزارتي الداخلية والصحة إلى أن أكثر من 80% من مستهلكي المخدرات تتراوح أعمارهم بين 18 و40 سنة، وهي الفئة الأكثر إنتاجًا وقدرة على المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ومما كشفه الدكتور المكلف بملف الادمان في وزارة الصحة نبيل بن صالح ...ان وضع الادمان في بلادنا مفزع وخطير واوضح ان ان 25% من التونسيين يعانون من اشكال مختلفة من الادمان واشار الي ان استهلاك المخدرات بين التلاميذ من 15 الي 17 سنة تضاعف منذ 2021 

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد ارتفاع في عدد القضايا المسجلة، بل تكشف عن تحول نوعي في موقع تونس داخل خريطة الاتجار غير المشروع بالمخدرات. فبعد أن كانت تُصنف لسنوات طويلة كبلد عبور بين مناطق الإنتاج وأسواق الاستهلاك، أصبحت اليوم، وفق تصريحات مسؤولين رسميين وتقارير وطنية ودولية، سوقًا استهلاكية تتزايد فيها مستويات الطلب الداخلي بصورة مقلقة.

وقد سبق للناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للديوانة التونسية أن أكد في فيفري 2024 أن تونس لم تعد مجرد نقطة عبور، بل أصبحت مركزًا للاستهلاك، وهو ما تؤكده أيضًا عمليات الحجز المتكررة لكميات كبيرة من القنب الهندي والكوكايين والأقراص المخدرة وغيرها من المواد المحظورة داخل الموانئ والمعابر الحدودية، فضلاً عن تفكيك شبكات تنشط في مختلف ولايات الجمهورية.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة مع انتقالها من الهوامش إلى قلب الفضاءات الاجتماعية، حيث أصبح انتشار المخدرات يطال الأحياء الشعبية، ومحيط المؤسسات التربوية والجامعات، وحتى بعض الفضاءات الترفيهية والرياضية، بما يجعل فئة الأطفال والمراهقين والشباب أكثر عرضة للاستقطاب من قبل شبكات الترويج.

إن هذا الواقع يفرض جملة من الأسئلة الجوهرية التي تتجاوز القراءة الأمنية التقليدية:

• لماذا تشهد تونس هذا التصاعد في استهلاك المخدرات؟

• هل يتعلق الأمر فقط بقدرة شبكات التهريب على اختراق الحدود، أم أن هناك أسبابًا اجتماعية واقتصادية وثقافية تغذي الطلب الداخلي؟

• إلى أي مدى نجحت المقاربة الأمنية الحالية في الحد من الظاهرة؟

• وكيف يمكن التوفيق بين متطلبات حماية الأمن العام واحترام حقوق الإنسان؟

• وهل تحتاج تونس إلى سياسة وطنية جديدة تقوم على الوقاية والعلاج والإدماج الاجتماعي، بالتوازي مع الردع والمساءلة؟

تكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة إذا علمنا أن ظاهرة المخدرات لم تعد شأنًا تونسيًا صرفًا، وإنما أصبحت واحدة من أخطر التحديات العابرة للحدود. فقد حذرت التقارير الدولية من التوسع الكبير في نشاط شبكات الجريمة المنظمة التي تستفيد من العولمة، والتكنولوجيا الرقمية، وضعف التنسيق بين الدول، لتطوير أساليب جديدة في التهريب والتوزيع وغسل الأموال.

ومن ثم، فإن معالجة هذه الظاهرة تستوجب تجاوز المقاربة التي تختزلها في بعدها الجنائي، نحو رؤية شاملة تعتبرها قضية تنموية وصحية وثقافية وحقوقية في آن واحد، وتربط بين الأمن، والعدالة الاجتماعية، والحوكمة الرشيدة، وبناء الثقة في مؤسسات الدولة.

2- المخدرات... ظاهرة عالمية عابرة للحدود: ماذا يحدث في أوروبا وفرنسا؟

قد يعتقد البعض أن تصاعد ظاهرة المخدرات في تونس يعكس خصوصية محلية مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية أو الأمنية، غير أن الواقع يؤكد أن هذه الآفة أصبحت إحدى أخطر القضايا العالمية التي تواجه الدول، بغض النظر عن مستوى تقدمها الاقتصادي أو قوة مؤسساتها. فقد تحولت تجارة المخدرات خلال العقود الأخيرة إلى واحدة من أكثر الأنشطة الإجرامية ربحًا، مستفيدة من العولمة، والتطور التكنولوجي، والانفتاح التجاري، واتساع شبكات غسل الأموال، فضلاً عن هشاشة بعض الدول التي أصبحت معابر أو أسواقًا جديدة لهذه التجارة.

وتشير التقارير الدولية إلى أن سوق المخدرات لم يعد يقتصر على القنب الهندي أو الكوكايين، بل يشهد توسعًا سريعًا في المخدرات الاصطناعية ذات الكلفة المنخفضة والأرباح المرتفعة، وهو ما جعل شبكات الجريمة المنظمة أكثر قدرة على اختراق الأسواق واستهداف فئات جديدة، خاصة الشباب والمراهقين.

وفي هذا السياق، لم تعد أوروبا بمنأى عن هذه الظاهرة، رغم ما تمتلكه من إمكانيات أمنية وقضائية متقدمة. فقد حذرت الوكالة الأوروبية للمخدرات من أن القارة تشهد مستويات غير مسبوقة في تهريب الكوكايين، وتوسعًا في إنتاج المخدرات الاصطناعية داخل بعض الدول الأوروبية، إضافة إلى تطور أساليب التوزيع عبر الوسائط الرقمية وخدمات التوصيل السريع، الأمر الذي زاد من تعقيد جهود المكافحة.

3- الأسباب الحقيقية لانتشار المخدرات في تونس: أزمة مجتمع قبل أن تكون أزمة أمن

إن اختزال ظاهرة المخدرات في بعدها الجنائي وحده يفضي إلى قراءة ناقصة، لأن الجريمة ليست سوى النتيجة الظاهرة لمسار طويل من الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية. فالمخدرات لا تنتشر في الفراغ، بل تجد بيئة حاضنة كلما تراجعت مؤسسات التنشئة، واتسعت الفوارق الاجتماعية، وضعفت الثقة في المستقبل.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف دخلت المخدرات إلى تونس؟ بل لماذا أصبح آلاف الشباب يقبلون على استهلاكها؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تسمح ببناء سياسة عمومية ناجعة ومستدامة.

1. أولاً: الأزمة الاقتصادية... حين يتحول الإحباط إلى بيئة خصبة للإدمان

لا يمكن عزل انتشار المخدرات عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها تونس منذ سنوات. فارتفاع نسب البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا، واتساع رقعة الفقر والهشاشة، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تولّد شعورًا بالإحباط وفقدان الأمل، وتجعل بعض الشباب أكثر قابلية للوقوع في دوامة الإدمان.

ولا يتعلق الأمر فقط بضيق ذات اليد، بل أيضًا بالشعور بانسداد الأفق. فالشاب الذي لا يجد فرصة عمل، ولا يرى إمكانية لتحسين أوضاعه، يصبح أكثر عرضة للبحث عن وسائل للهروب من الواقع، سواء عبر استهلاك المواد المخدرة أو الانخراط في شبكات ترويجها باعتبارها مصدرًا سريعًا للربح.

ومن هنا، فإن مكافحة المخدرات تبدأ أيضًا من خلق فرص العمل، وتقليص الفوارق الجهوية، وتحقيق تنمية عادلة تمنح الشباب أفقًا للحياة الكريمة.

2. ثانيًا: المدرسة التي فقدت جزءًا من دورها التربوي

كانت المدرسة التونسية، لعقود طويلة، فضاءً للتنشئة المدنية والثقافية، ومؤسسة قادرة على بناء شخصية المواطن. غير أن التحولات التي عرفها النظام التعليمي، وتراجع الأنشطة الثقافية والرياضية، وارتفاع نسب الانقطاع المبكر عن الدراسة، أضعفت هذا الدور بصورة ملحوظة.

ولم يعد دور المدرسة يقتصر على نقل المعرفة، بل أصبح من الضروري أن تضطلع بمهمة الوقاية من السلوكيات المحفوفة بالمخاطر، وفي مقدمتها الإدمان. فالعديد من الدراسات تؤكد أن الأطفال والمراهقين الذين يغادرون المدرسة مبكرًا يصبحون أكثر عرضة للاستقطاب من قبل شبكات الجريمة المنظمة.

كما أن انتشار بعض أنواع المخدرات في محيط المؤسسات التربوية يمثل مؤشرًا بالغ الخطورة، لأنه يعني أن شبكات الترويج أصبحت تستهدف الفئات العمرية الأصغر، مستغلة هشاشتها النفسية والاجتماعية.

ولهذا فإن إعادة الاعتبار للدور التربوي للمدرسة، وإحياء الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية، وإدماج التربية الصحية والتربية الإعلامية والرقمية ضمن المناهج التعليمية، تمثل أدوات أساسية لبناء مناعة مجتمعية ضد الإدمان.

3. ثالثًا: الأسرة... خط الدفاع الأول الذي يحتاج إلى الدعم

تبقى الأسرة المؤسسة الأولى التي يتشكل داخلها وعي الطفل وقيمه وسلوكياته. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المجتمع التونسي أثرت في قدرة العديد من الأسر على القيام بدورها التربوي.

فالفقر، والبطالة، وضغوط الحياة اليومية، وارتفاع نسب الطلاق، والعنف الأسري، وغياب الحوار بين الآباء والأبناء، كلها عوامل قد تدفع بعض الشباب إلى البحث عن بدائل خارج الأسرة، ليجدوا أنفسهم في كثير من الأحيان فريسة سهلة لشبكات الترويج.

ولا ينبغي أن يُفهم ذلك باعتباره تحميلًا للأسرة وحدها مسؤولية الظاهرة، بل باعتباره دعوة إلى دعمها من خلال سياسات اجتماعية فعالة، وبرامج للإرشاد الأسري، وخدمات للمرافقة النفسية والاجتماعية، حتى تتمكن من استعادة دورها كخط الدفاع الأول ضد الانحراف والإدمان.

4. رابعًا: الصحة النفسية... الحلقة المنسية

تؤكد الدراسات الحديثة أن جزءًا مهمًا من حالات الإدمان يرتبط بمشكلات نفسية غير معالجة، مثل الاكتئاب، والقلق، والصدمات، والشعور بالوحدة أو فقدان المعنى.

وفي تونس، كما في كثير من الدول، لا تزال خدمات الصحة النفسية محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات، كما أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية تمنع الكثير من الشباب من طلب المساعدة في الوقت المناسب.

ومن ثم، فإن أي استراتيجية وطنية لمكافحة المخدرات ينبغي أن تتضمن تعزيز خدمات الصحة النفسية داخل المدارس والجامعات ومؤسسات الرعاية الصحية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من سياسة الوقاية.

5. خامسًا: وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيع السلوكيات الخطرة

أصبحت المنصات الرقمية تلعب دورًا متزايدًا في تشكيل وعي الشباب وأنماط سلوكهم. ورغم ما توفره من فرص للتواصل والمعرفة، فإنها قد تتحول أيضًا إلى فضاءات لترويج ثقافة الاستهلاك، والعنف، وبعض السلوكيات الخطرة، بما في ذلك تعاطي المخدرات.

ولا يعني ذلك تحميل وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية الظاهرة، بل التأكيد على أهمية التربية الإعلامية والرقمية، حتى يصبح الشباب أكثر قدرة على التمييز بين المحتوى الذي يعزز الوعي، وذلك الذي يسعى إلى تطبيع الانحراف أو تزيينه.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن بناء التفكير النقدي لدى الناشئة يمثل أحد أكثر أدوات الوقاية فعالية، لأن الشاب الواعي أقل قابلية للتأثر بالدعاية التي تمارسها شبكات الترويج، سواء في الواقع أو عبر الفضاء الرقمي.

4- أزمة تنموية قبل أن تكون أزمة أمنية

إن اجتماع هذه العوامل يكشف أن المخدرات ليست مجرد قضية أمنية، وإنما مرآة لاختلالات أعمق تمس النموذج التنموي، والسياسات الاجتماعية، وأدوار الأسرة والمدرسة، وجودة الخدمات الصحية، وآفاق الشباب.

ومن هنا، فإن نجاح تونس في الحد من هذه الظاهرة لن يتحقق فقط عبر تشديد العقوبات أو تكثيف الحملات الأمنية، بل عبر معالجة الجذور التي تجعل آلاف الشباب عرضة للإدمان أو للاستقطاب من قبل شبكات الجريمة المنظمة.

فالمجتمع الذي يوفر لشبابه التعليم الجيد، والعمل الكريم، والدعم النفسي، والفضاءات الثقافية والرياضية، يبني في الوقت نفسه أقوى منظومة وقاية ضد المخدرات، ويحصن أمنه واستقراره على المدى الطويل.

5- المخدرات والجريمة المنظمة... عندما تتحول الآفة إلى تهديد للدولة

لم تعد تجارة المخدرات مجرد نشاط إجرامي يقتصر على بيع مواد محظورة وتحقيق أرباح غير مشروعة، بل أصبحت في مختلف أنحاء العالم أحد أهم مصادر تمويل الجريمة المنظمة العابرة للحدود. فالشبكات التي تنشط في تهريب المخدرات لا تكتفي بالاتجار في السموم، بل ترتبط في كثير من الأحيان بجرائم غسل الأموال، والتهريب، والاتجار بالبشر، والفساد، وتزوير الوثائق، واستغلال التطور التكنولوجي لتوسيع أنشطتها وإخفاء عائداتها.

ولذلك لم يعد تقييم خطورة المخدرات يقاس فقط بعدد المستهلكين أو القضايا المسجلة، وإنما بقدرة هذه الشبكات على اختراق النسيج الاقتصادي والاجتماعي، والتأثير في مؤسسات الدولة، وتقويض ثقة المواطنين في سيادة القانون.

6- من الجريمة الفردية إلى الاقتصاد الإجرامي

تكشف التجارب الدولية أن تجارة المخدرات أصبحت تمثل ما يعرف بـ "الاقتصاد الإجرامي"، أي منظومة مالية موازية تعتمد على تدفقات مالية ضخمة يصعب تتبعها، وتوظف وسائل متطورة لغسل الأموال واستثمارها في أنشطة تبدو مشروعة.

وهذا ما يفسر أن شبكات المخدرات أصبحت تمتلك قدرات مالية وتنظيمية تمكنها من استقطاب الشباب العاطل عن العمل، واستغلال هشاشة بعض المناطق الحدودية، بل ومحاولة التأثير في بعض الفاعلين الاقتصاديين أو الإداريين لتحقيق مصالحها.

ومن هنا فإن مكافحة المخدرات لا تعني فقط حجز الشحنات وإيقاف المروجين، بل تقتضي أيضًا تجفيف منابع التمويل غير المشروع، وتعزيز الرقابة على حركة الأموال، ومكافحة الفساد الذي يشكل البيئة المثالية لازدهار هذه الشبكات.

7- المخدرات والفساد... علاقة لا يمكن تجاهلها

تؤكد تقارير الأمم المتحدة وتجارب العديد من الدول أن الجريمة المنظمة لا تستطيع الاستمرار دون الاستفادة، بدرجات متفاوتة، من مظاهر الفساد أو من وجود ثغرات داخل بعض المؤسسات.

فالتهريب المنظم يحتاج إلى معلومات، وإلى تسهيلات، وإلى استغلال نقاط الضعف في منظومة الرقابة، وهو ما يجعل تعزيز النزاهة داخل مؤسسات الدولة جزءًا أساسيًا من أي سياسة فعالة لمكافحة المخدرات.

ولا يعني ذلك التشكيك في نزاهة المؤسسات الأمنية أو القضائية، التي قدمت تضحيات كبيرة وحققت نجاحات مهمة في تفكيك العديد من الشبكات الإجرامية، وإنما التأكيد على أن قوة هذه المؤسسات تقاس أيضًا بقدرتها على محاسبة أي تجاوز أو انحراف قد يصدر عن أفرادها.

فالدولة التي تحاسب موظفيها عند الاشتباه في ارتكابهم مخالفات، وتحيلهم إلى القضاء وفق ضمانات المحاكمة العادلة، تعزز ثقة المواطنين في مؤسساتها، وتؤكد أن سيادة القانون تعلو على أي اعتبارات أخرى.


8- دروس يمكن أن تستفيد منها تونس

الحالة الفرنسية ... من مشكلة أمنية إلى قضية مجتمع

تعد فرنسا اليوم من أكثر الدول الأوروبية انخراطًا في نقاش وطني واسع حول ظاهرة المخدرات، بعد أن أصبحت انعكاساتها تمس الأمن والاقتصاد والصحة العامة، بل وحتى ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

فقد شهدت المدن الفرنسية خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في أعمال العنف المرتبطة بتجارة المخدرات، بما في ذلك تصفية الحسابات بين العصابات، وإطلاق النار في الأحياء السكنية، وتوسع نفوذ الشبكات الإجرامية التي أصبحت تسيطر على بعض الأحياء الهشة. كما برزت مخاوف متزايدة من قدرة هذه الشبكات على تجنيد القُصّر واستغلال أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.

ولذلك، لم يعد النقاش في فرنسا مقتصرًا على تشديد العقوبات أو زيادة عدد الإيقافات، بل اتجه إلى مراجعة شاملة للسياسات العمومية، انطلاقًا من قناعة متزايدة بأن الردع وحده لا يكفي، وأن نجاح أي سياسة لمكافحة المخدرات يقتضي الجمع بين الوقاية، والعلاج، وإعادة الإدماج، والتجفيف المالي للشبكات الإجرامية، إلى جانب تعزيز التعاون الأوروبي والدولي.

لقد أدركت السلطات الفرنسية أن القضاء على الشبكات الإجرامية يتطلب أيضًا الحد من الطلب على المخدرات، لأن السوق لا يستمر إلا بوجود مستهلكين. ومن هنا توسعت برامج التوعية داخل المدارس، وتعززت خدمات علاج الإدمان، وتطورت آليات تتبع الأموال غير المشروعة ومصادرتها، باعتبارها أحد أهم مصادر قوة الجريمة المنظمة.

إن التجربة الأوروبية، والفرنسية على وجه الخصوص، تقدم جملة من الدروس المهمة لتونس.

فأول هذه الدروس أن ظاهرة المخدرات لا تعترف بالحدود، وأن أي دولة، مهما بلغت قدراتها الأمنية، لا تستطيع مواجهتها بمفردها. فشبكات الاتجار أصبحت عابرة للقارات، وتستخدم أحدث وسائل الاتصال والتشفير والتحويلات المالية، مما يفرض تعزيز التعاون القضائي والأمني والاستخباراتي مع الدول المجاورة والشركاء الدوليين.

أما الدرس الثاني، فيتمثل في أن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها، لا تحقق النجاح إذا لم ترافقها سياسات اجتماعية وثقافية واقتصادية تقلل من الطلب على المخدرات. فكلما ازداد عدد الشباب الذين يشعرون بالتهميش أو البطالة أو فقدان الأمل، ازدادت قدرة الشبكات الإجرامية على استقطابهم، سواء كمستهلكين أو كمروجين.

أما الدرس الثالث، والأكثر أهمية، فهو أن مكافحة المخدرات لا يمكن أن تنجح دون مؤسسات قوية وشفافة. فالجريمة المنظمة لا تستفيد فقط من ضعف الرقابة على الحدود، وإنما تسعى أيضًا إلى اختراق مؤسسات الدولة عبر الرشوة والفساد واستغلال الثغرات القانونية والإدارية. ولذلك أصبحت مكافحة الفساد جزءًا أساسيًا من سياسات مكافحة المخدرات في العديد من الدول.

8- تونس أمام تحدٍ متعدد الأبعاد

لا تختلف تونس كثيرًا عن هذا السياق الدولي، وإن كانت تواجه تحديات إضافية ترتبط بموقعها الجغرافي، وبالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها خلال السنوات الأخيرة، وبالأزمات التي أثرت في قدرة المؤسسات العمومية على الاستجابة الفعالة لمختلف التحديات.

ومن ثم، فإن التعامل مع المخدرات باعتبارها مجرد مسألة أمنية سيكون قاصرًا عن فهم طبيعة المشكلة. فهي في حقيقتها قضية تتداخل فيها أبعاد الأمن، والصحة، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والعدالة الاجتماعية، والحوكمة، بما يجعلها اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على صياغة سياسات عمومية متكاملة وفعالة.

9- الحالة التونسية... بين الإنجازات والتحديات

شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة نجاحات مهمة في حجز كميات كبيرة من المخدرات وتفكيك عدد من الشبكات الإجرامية، وهو ما يعكس الجهود الكبيرة التي تبذلها الوحدات الأمنية والديوانية والعسكرية والقضائية في مواجهة هذه الآفة.

غير أن هذه النجاحات لم تمنع استمرار توسع الظاهرة، الأمر الذي يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى نجاعة السياسات المعتمدة، وحول قدرة شبكات الاتجار على إعادة تنظيم نفسها واستحداث أساليب جديدة للتهريب والتوزيع.

كما أثارت بعض القضايا التي عُرضت على القضاء الرأي العام، عندما شملت مسؤولين أو أعوانًا مكلفين بإنفاذ القانون، من بينهم قضية مدير إقليم الأمن الوطني بنابل الذي أُوقف وأُحيل على القضاء في إطار قضية تتعلق بجرائم مخدرات. ومن الضروري التأكيد على أن هذه القضية، وغيرها من القضايا المنشورة، تبقى من اختصاص القضاء وحده، وأن جميع المتهمين يتمتعون بقرينة البراءة إلى أن يصدر حكم قضائي بات.

غير أن مجرد وجود مثل هذه الملفات يبعث برسالة واضحة مفادها أن شبكات الجريمة المنظمة لا تكتفي باستهداف الشباب، بل تسعى أيضًا إلى اختراق مؤسسات الدولة كلما سنحت لها الفرصة، وهو ما يفرض تعزيز منظومات الرقابة الداخلية، وتكريس ثقافة النزاهة، وتوفير الحماية القانونية لكل من يكشف عن شبهات الفساد أو التواطؤ.

10- هل تكفي المقاربة الأمنية؟

لقد أثبتت التجربة التونسية، كما أثبتت تجارب دول عديدة، أن المقاربة الأمنية تظل عنصرًا لا غنى عنه في مكافحة المخدرات، لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق نتائج مستدامة.

فكل شبكة يتم تفكيكها قد تظهر مكانها شبكة أخرى، وكل مروج يُلقى القبض عليه قد يعوضه آخر، ما دام الطلب على المخدرات في ارتفاع، وما دامت الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تغذي الظاهرة قائمة.

إن الأمن يظل شرطًا أساسيًا لحماية المجتمع، لكنه ليس بديلًا عن السياسات الوقائية والتنموية. ولذلك فإن نجاح أي استراتيجية وطنية يقتضي الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية والاستباق، ومن معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب.

ولعل أهم درس تقدمه التجارب المقارنة هو أن مكافحة المخدرات لا تتحقق فقط بقوة القانون، وإنما أيضًا بقوة المؤسسات، وفعالية الحوكمة، واستقلال القضاء، ونزاهة أجهزة إنفاذ القانون، وثقة المواطن في دولته.

11- نحو استراتيجية وطنية شاملة: من منطق الزجر إلى بناء مجتمع أكثر مناعة

إن تفاقم ظاهرة المخدرات في تونس يفرض الانتقال من ردود الفعل الظرفية إلى بناء سياسة وطنية متكاملة، تنطلق من إدراك أن الإدمان ليس مجرد مخالفة قانونية، بل هو أيضًا انعكاس لاختلالات اقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية. لذلك، فإن نجاح أي استراتيجية وطنية لا يقاس فقط بعدد الإيقافات أو كميات المحجوزات، وإنما بقدرتها على تقليص الطلب على المخدرات، وتجفيف منابع الاتجار، وحماية الفئات الأكثر عرضة للاستقطاب.

لقد أثبتت التجارب المقارنة، سواء في البرتغال أو آيسلندا أو عدد من الدول الأوروبية، أن النتائج الأكثر استدامة تحققت عندما جرى الجمع بين إنفاذ القانون، والوقاية، والعلاج، وإعادة الإدماج، بدل الاقتصار على المقاربة العقابية وحدها. ولا يعني ذلك التساهل مع المروجين أو شبكات الجريمة المنظمة، بل على العكس، يقتضي تشديد الملاحقة على من يحولون معاناة الشباب إلى تجارة مربحة، مع اعتماد مقاربة أكثر إنسانية تجاه من وقعوا في براثن الإدمان ويحتاجون إلى العلاج والدعم لإعادة الاندماج في المجتمع.

ومن هذا المنطلق، تبدو تونس في حاجة إلى استراتيجية وطنية ترتكز على جملة من المحاور المتكاملة.

أولًا، تعزيز الوقاية والتربية داخل المدارس والمعاهد والجامعات، عبر إدراج برامج للتربية الصحية، والتربية الإعلامية والرقمية، والتثقيف حول مخاطر الإدمان، مع توفير فضاءات ثقافية ورياضية قادرة على استقطاب الشباب وتنمية قدراتهم.

ثانيًا، دعم الأسرة باعتبارها المؤسسة الأولى للتنشئة الاجتماعية، من خلال توفير خدمات الإرشاد الأسري، والدعم النفسي، ومرافقة الأسر التي تواجه صعوبات اجتماعية أو اقتصادية، بما يساعدها على حماية أبنائها من الانحراف والإدمان.

ثالثًا، تطوير منظومة الصحة النفسية وعلاج الإدمان، عبر توسيع مراكز العلاج وإعادة التأهيل، وتكوين الإطارات الطبية والاجتماعية المختصة، وضمان سهولة النفاذ إلى هذه الخدمات دون وصم أو تمييز.

رابعًا، تعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد، باعتبارهما شرطين أساسيين لنجاح أي سياسة لمكافحة المخدرات. فالشبكات الإجرامية لا تستفيد فقط من هشاشة الحدود، بل تسعى أيضًا إلى استغلال أي ثغرة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم، فإن ترسيخ مبادئ الشفافية، وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة، وحماية المبلغين عن الفساد، ودعم استقلال القضاء، تمثل جميعها عناصر لا تنفصل عن مكافحة المخدرات.

خامسًا، تعزيز التعاون الإقليمي والدولي، لأن هذه الظاهرة لم تعد محلية، بل أصبحت جزءًا من شبكات عابرة للحدود تستفيد من التطور التكنولوجي ومن تداخل الأسواق. ومن ثم، فإن تبادل المعلومات، والتنسيق القضائي والأمني، ومكافحة غسل الأموال، أصبحت جميعها مكونات أساسية لأي سياسة فعالة.

12- مسؤولية الدولة... ومسؤولية المجتمع

إن مكافحة المخدرات ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، كما أنها ليست مسؤولية الأسرة أو المدرسة أو المجتمع المدني بمعزل عن الدولة. إنها مسؤولية جماعية تتطلب تعبئة جميع الفاعلين، لأن كل مؤسسة تمتلك جزءًا من الحل.

فالدولة مطالبة بوضع سياسات عمومية قائمة على الأدلة العلمية، وتوفير الإمكانيات اللازمة لمؤسساتها، وضمان احترام القانون دون انتقائية. والمدرسة مطالبة باستعادة دورها التربوي، والإعلام مدعو إلى تجاوز الإثارة نحو نشر ثقافة الوقاية، بينما يظل المجتمع المدني شريكًا أساسيًا في التوعية، والدعم، والدفاع عن الفئات الأكثر هشاشة.

وفي المقابل، فإن الشباب أنفسهم ليسوا مجرد موضوع لهذه السياسات، بل ينبغي أن يكونوا شركاء في صياغتها وتنفيذها، لأن الوقاية لا تُفرض من أعلى، بل تُبنى عبر المشاركة، والثقة، والشعور بالانتماء.

إن الانتشار المتسارع للمخدرات في تونس لم يعد مجرد مؤشر على توسع الجريمة المنظمة، بل أصبح دليلًا على أزمة مركبة تمس الأمن والصحة والاقتصاد والتماسك الاجتماعي. ورغم المجهودات التي تبذلها الأجهزة الأمنية والقضائية، فإن النتائج الميدانية تكشف أن الدولة لم تنجح، إلى اليوم، في الحد من توسع هذه الظاهرة أو في تجفيف منابعها، وهو ما يفرض مراجعة شاملة للسياسات العمومية المعتمدة.

ويزداد هذا التحدي خطورة عندما تطال شبهات الفساد أو التواطؤ بعض المكلفين بإنفاذ القانون. فقد شهدت تونس أحكامًا قضائية صدرت ضد أعوان أمن في قضايا مرتبطة بترويج المخدرات، كما أُوقف سنة 2025 مدير إقليم الأمن الوطني بنابل وأُحيل على القضاء في إطار قضية تتعلق بجرائم مخدرات، ولا تزال القضية منشورة أمام المحاكم. ولا يجوز استباق القضاء أو إصدار أحكام مسبقة، لكن مجرد وجود مثل هذه الملفات يكشف أن الجريمة المنظمة تسعى إلى اختراق مؤسسات الدولة، ويؤكد أن نجاح أي سياسة لمكافحة المخدرات يقتضي أيضًا مكافحة الفساد وترسيخ آليات الرقابة والمساءلة داخل أجهزة إنفاذ القانون.

لقد أثبتت التجارب المقارنة، من البرتغال وآيسلندا إلى فرنسا، أن الدول التي حققت نتائج ملموسة لم تعتمد على الردع وحده، بل بنت سياسات متكاملة تقوم على الوقاية والتربية والعلاج وإعادة الإدماج، بالتوازي مع الضرب الحازم لشبكات الاتجار وتجفيف منابع تمويلها.

ويبقى الرهان الحقيقي بالنسبة إلى تونس هو الانتقال من سياسة ردّ الفعل إلى استراتيجية وطنية شاملة، تجعل من حماية الشباب أولوية، ومن مكافحة الفساد جزءًا لا يتجزأ من مكافحة المخدرات، ومن الاستثمار في التعليم والثقافة والصحة النفسية والتشغيل ركيزة للأمن المجتمعي. فالدول لا تنتصر على المخدرات بالسجون وحدها، وإنما ببناء مؤسسات قوية، ومجتمع واعٍ، وشباب يجد في الأمل والعمل والكرامة بديلًا عن الإدمان واليأس.

وخلاصة الخلاصة ان المخدرات ليست مجرد سلعة غير مشروعة، بل هي أداة لتفكيك المجتمعات وإضعاف الدول. 


بقلم  الناشط المدني والحقوقي :الحسين بوشيبة