تشهد ليبيا اليوم مخاضاً سياسياً جديداً تتشابك فيه المصالح الدولية المعقدة مع الحسابات المحلية الحذرة، حيث تقف الأزمة الممتدة منذ سنوات أمام منعطف حاسم قد يعيد تشكيل خارطة النفوذ والمستقبل السياسي للبلاد. وبعد فترة طويلة من الجمود والانقسام المؤسسي وتعدد مراكز القرار التي أفشلت المبادرات السابقة، عاد الملف الليبي ليتصدر واجهة الاهتمام الدولي، مدفوعاً بتحركات أمريكية مكثفة توحي بتبني واشنطن مقاربة مغايرة تماماً لما كان سائداً في السنوات الماضية.

​وفي هذا الإطار، تأتي زيارة المبعوث الأمريكي "مسعد بولس" إلى ليبيا كإشارة قوية على انخراط واشنطن المباشر والديناميكي في مسار التسوية؛ إذ لم تقتصر لقاءاته على العاصمة والمسؤولين الرسميين، بل امتدت لتشمل مدينة مصراتة والعديد من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، في خطوة واضحة تعكس رغبة الولايات المتحدة في الانفتاح على كافة مراكز التأثير الفعلي وعدم حصر تواصلها مع طرف دون آخر.

​وتكشف هذه التحركات المتسارعة عن تحول في الاستراتيجية الأمريكية من مجرد "إدارة الأزمة" والحفاظ على توازن هش بين القوى المتصارعة، إلى السعي الجاد نحو صياغة تسوية واقعية وعملية تستند إلى موازين القوى الحقيقية على الأرض. ويبدو أن التجربة أثبتت لصنّاع القرار الدوليين أن المبادرات السياسية التقليدية التي تجاهلت القوى الفاعلة ميدانياً لم تنجح في إنهاء الانقسام أو توحيد المؤسسات، مما فرض اليوم ضرورة إشراك القوى ذات النفوذ الحقيقي لضمان نجاح أي اتفاق مستقبلي.

​ولا يمكن فصل هذا الحراك الدبلوماسي عن المخاوف والمصالح الاستراتيجية للقوى الدولية؛ فليبيا، بموقعها الجيوسياسي المحوري في شمال أفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، تمثل رقماً صعباً في ملفات أمن الطاقة، مكافحة الهجرة غير النظامية، والاستقرار الإقليمي، وهو ما يجعل استمرار حالة الفوضى فيها خطراً داهماً يقلق الغرب. ونتيجة لذلك، تتزايد التوقعات ببدء مرحلة سياسية جديدة قد تشهد إعادة هيكلة شاملة للسلطة التنفيذية، وإدخال تعديلات جذرية على المؤسسات القائمة لتهيئتها لمرحلة الاستقرار المنشودة.


شمس اليوم نيوز