فكل مرة تتفاقم فيها أزمة الكهرباء، يبحث الناس عن سبب مباشر يفسر ما يحدث، ومؤخرًا، اتجهت أصابع الاتهام إلى قرار النائب العام بوقف نظام المبادلة (المقايضة)، حتى أصبح هذا القرار، في نظر البعض، المسؤول الأول عن نقص الوقود وانقطاع التيار الكهربائي.

غير أن اختزال أزمة بهذا الحجم في قرار واحد لا يعكس حقيقة ما جرى، ولا يساعد على فهم جذور المشكلة.

فالحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن نظام المبادلة لم يكن بدعة استحدثت بعد عام 2011، بل كان أحد الأدوات التي اعتمدت عليها الدولة لسنوات لتوفير احتياجات السوق من المنتجات النفطية. لكنه لم يكن نظامًا مفتوحًا بلا ضوابط، بل كان محكومًا بإجراءات فنية ومالية دقيقة تحدد الكميات، وعدد الشحنات، والمصافي التي يتم التعامل معها، وآليات التسعير وتسوية الفروقات.

وكانت المبادلة تتم مع شركاء تقليديين يمتلكون مصافي تكرير معروفة، وفي إطار من الرقابة والحوكمة , لذلك نجحت التجربة.

لكن ما حدث لاحقًا لم يكن تطويرًا للنظام، بل تفريغًا له من مضمونه، فقد أُهملت الضوابط، واتسعت دائرة الاجتهادات، ودخل الوسطاء والسماسرة إلى ملف كان يفترض أن يبقى محكومًا بالمعايير الفنية والاقتصادية. وأصبح التعامل مع جهات لا تملك مصافي تكرير، وبأسعار تفوق الأسعار السائدة، وبكميات تجاوزت احتياجات السوق، حتى قفزت فاتورة الاستيراد إلى أرقام بمليارات، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول كفاءة الإدارة وسلامة الإجراءات.

في ظل هذه الوقائع، كان تدخل الاخ النائب العام شخصيا ، استجابة سريعه لما يقتضيه القانون في حماية المال العام والثروة الوطنية. ومن الطبيعي أن يتدخل عندما تتوافر شبهات بوجود تجاوزات أو مخالفات تستوجب التحقيق والمعالجة.

أما تحميل هذا التدخل وحده مسؤولية أزمة الكهرباء، فهو تجاهل لسلسلة طويلة من الاختلالات التي سبقت القرار بسنوات.

إن الأزمة الحقيقية ليست في وجود نظام المبادلة أو غيابه، وإنما في غياب الإدارة الرشيدة. فالنظام الذي نجح بالأمس لن ينجح اليوم إذا بقيت البيئة نفسها التي سمحت بتغول الفساد، وضعف الرقابة، وغياب المساءلة.

ومن المؤسف أن يتحول النقاش العام إلى مطالبة بعودة المبادلة وكأنها العصا السحرية لحل الأزمة، بينما لا يزال الملف نفسه يواجه التحديات ذاتها التي أدت إلى انحرافه عن أهدافه الأصلية.

فإعادة الآلية دون إصلاح المنظومة التي تديرها تعني إعادة إنتاج الأسباب نفسها التي أوصلتنا إلى هذا الواقع.

لقد خسر قطاع النفط الكثير عندما تراجع دور الشركاء التقليديين الذين كانوا يمثلون عنصرًا مهمًا في استقرار عمليات التكرير والتوريد، وحلت محلهم ترتيبات تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى المعايير التي تضمن الكفاءة والشفافية.

وهذه ليست قضية فنية فحسب، بل قضية تمس الأمن الاقتصادي للدولة وحسن إدارة أهم مواردها.

إن المواطن لا يعنيه اسم الآلية المستخدمة، ولا شكل العقود المبرمة، بقدر ما يعنيه أن تتوافر الكهرباء، وأن تُدار ثروته الوطنية بكفاءة ونزاهة. وهذه الغاية لن تتحقق إلا بإعادة بناء منظومة التسويق النفطي على أسس من الشفافية، والرقابة، والكفاءة، وإبعاد المصالح الضيقة عن القرارات الاستراتيجية.

إن الدفاع عن المال العام لا يتعارض مع تأمين احتياجات المواطنين، بل إن أحدهما يكمّل الآخر. أما تصوير الأمر وكأن البلاد مطالبة بالاختيار بين الكهرباء أو حماية الثروة النفطية، فهو طرح مضلل؛ لأن الإدارة الرشيدة وحدها قادرة على تحقيق الأمرين معًا.

وفي النهاية، يجب أن يكون واضحًا أن المشكلة ليست في “المبادلة” كآلية، وإنما في كيفية إدارتها، ومن يديرها، وتحت أي ضوابط تُنفذ. فإذا أُصلحت المنظومة، يمكن لأي آلية أن تنجح، وإذا بقي الفساد، فإن أي آلية ستتحول إلى باب جديد لاستنزاف المال العام.

ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس العودة إلى الماضي، بل استعادة مبادئه: الانضباط، والرقابة، والكفاءة، وتغليب المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى، فهذه هي الضمانة الحقيقية لأمن الطاقة، وحماية الثروة، واستعادة ثقة المواطن في مؤسسات دولته.


  بقلم الخبير القانوني في مجال النفط “عثمان الحضيري”