وصف المدون

أخبار عاجلة

 





في تعقيب على ما كتبه الأخ أسعد الزهيو تحت عنوان: "فلسفة الانتقال في رؤية مسار الحوكمة بالحوار المهيكل"، يبدو من الضروري مقاربة هذا الطرح من زاوية الواقعية السياسية التي تميز بين ما ينبغي أن يكون وما يمكن أن يتحقق فعلاً في السياق الليبي الراهن.

للوهلة الأولى، تبدو مخرجات "الحوار المهيكل" مشروعاً متكاملاً للخروج من حالة الانسداد السياسي التي تعيشها ليبيا، غير أن التمعن في تفاصيله يكشف عن فجوة واضحة بين التصور النظري ومتطلبات الواقع.

فالإشكال الأول يكمن في افتراض إمكانية تشكيل سلطة تنفيذية موحدة جديدة، محددة زمنياً، وقادرة على فرض الأمن وتأمين الانتخابات. غير أن التجربة الليبية منذ عام 2011 أثبتت أن الأزمة ليست في تعدد الحكومات أو قصر عمرها أو طوله، بل في غياب سلطة فعلية تمتلك القدرة على تنفيذ قراراتها على كامل التراب الليبي. فقد تعاقبت الحكومات والمجالس والمبادرات السياسية، وحملت جميعها شعارات مشابهة، لكن موازين القوة الحقيقية ظلت خارج مؤسسات الدولة.

كما أن الحديث عن احتكار الدولة للقوة يظل هدفاً مشروعاً، لكنه لا يتحقق بمجرد نصوص أو قرارات سياسية. فاحتكار القوة هو نتيجة لوجود مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة وفاعلة، وهو الهدف الذي أخفقت في تحقيقه مختلف المبادرات السابقة رغم ما حظيت به من دعم إقليمي ودولي واسع.

أما الدعوة إلى تجاوز الخلاف الدستوري عبر قاعدة دستورية مؤقتة، فهي في جوهرها إعادة إنتاج للأزمة أكثر من كونها حلاً لها. فمنذ سنوات طويلة تُدار ليبيا عبر ترتيبات انتقالية مؤقتة، وكل مرحلة انتقالية كانت تنتهي إلى مرحلة انتقالية جديدة. وبالتالي فإن إضافة قاعدة مؤقتة أخرى قد تؤدي إلى تمديد حالة الانتقال بدلاً من إنهائها.

وتثير فكرة تأجيل الدستور الدائم بدورها العديد من التساؤلات. فإذا كانت القوى السياسية عاجزة اليوم عن الاتفاق على قواعد انتخابية محدودة، فكيف يمكن افتراض أنها ستكون أكثر قدرة مستقبلاً على التوافق حول عقد اجتماعي شامل ودائم؟ فالتجربة الليبية تشير إلى أن ترحيل الخلافات لا يؤدي بالضرورة إلى حلها، بل غالباً ما يزيدها تعقيداً مع مرور الوقت.

وفي السياق ذاته، تبدو المراهنة على الاستفتاء الشعبي باعتباره المرجعية النهائية لحسم الخلافات نوعاً من المثالية السياسية. فالمعضلة الليبية ليست في غياب آليات التصويت، وإنما في غياب التوافق الوطني على احترام النتائج وقبولها. وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن الخلاف يبدأ في كثير من الأحيان بعد إعلان النتائج لا قبلها.

أما فيما يتعلق باللامركزية، فإن الطرح المطروح يتجاهل جانباً مهماً من الواقع الليبي. فاللامركزية تنجح في الدول المستقرة ذات المؤسسات الراسخة، لكنها قد تتحول في البيئات المنقسمة إلى عامل إضافي لترسيخ الانقسامات الجهوية والمحلية إذا لم تسبقها عملية بناء دولة قوية ومؤسسات وطنية قادرة على حفظ وحدة القرار والسيادة.

كما أن الحديث عن توزيع الإيرادات السيادية وإنشاء آليات للتوازن المالي يبدو منطقياً من الناحية النظرية، لكنه يصطدم مباشرة بكون ملف الثروة النفطية وتوزيع الموارد أحد أبرز أسباب الصراع والتجاذب السياسي في ليبيا. وبالتالي فإن إعادة طرح هذا الملف دون وجود سلطة وطنية موحدة وقادرة على الإنفاذ قد تفتح أبواباً جديدة للنزاع بدلاً من إغلاقها.

والأهم من ذلك أن هذا النوع من الطروحات يتعامل مع الأزمة الليبية باعتبارها أزمة مؤسسات وإجراءات فقط، في حين أن جوهر الأزمة يرتبط أيضاً بتشابك المصالح وتداخل الصراعات المحلية والإقليمية والدولية. فالانقسام لم يستمر بسبب نقص المبادرات أو غياب التصورات النظرية، وإنما لأن هناك أطرافاً متعددة تستفيد من استمرار الوضع القائم، وأي مشروع لا يأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار سيظل أسير الأوراق والندوات والمؤتمرات.

إن المشكلة الليبية ليست أزمة أفكار أو وثائق أو مبادرات سياسية بقدر ما هي أزمة إرادة سياسية وآليات تنفيذ. لذلك فإن الرهان على إنتاج حوارات جديدة أو لجان جديدة أو سلطات انتقالية جديدة قد لا يكون سوى تكرار لدائرة جُرّبت مراراً وأثبتت محدودية نتائجها.

فالانتقال الحقيقي إلى الدولة لا يبدأ بإنتاج مزيد من الوثائق، بل بإنتاج موازين قوة جديدة تجعل احترام القانون والمؤسسات مصلحة مشتركة لجميع الفاعلين. وما لم يتحقق ذلك، فإن أي مشروع للحوكمة سيظل أقرب إلى رؤية أكاديمية متماسكة منه إلى برنامج سياسي قابل للتطبيق في الواقع الليبي.

ومن هذا المنطلق، فإن النقد الموجه لفكرة الحوار المهيكل لا يستهدف الفكرة في ذاتها، بل ينطلق من ضرورة إخضاعها لاختبار الواقع، لأن نجاح أي مشروع سياسي لا يُقاس بمدى جاذبيته النظرية، بل بقدرته على التعامل مع تعقيدات المشهد الليبي كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.

Back to top button