تشهد ليبيا منذ مطلع شهر يونيو 2026 تصاعداً ملحوظاً في حدة الجدل السياسي والشعبي حول ملف الهجرة غير النظامية ودور مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل البلاد، في تطورات تعكس حجم الحساسية التي باتت تحيط بهذه القضية في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية والديمغرافية التي تمر بها الدولة الليبية.
وقد بدأت ملامح هذه الأزمة تتبلور بشكل واضح مع تزايد المخاوف الشعبية من وجود مخططات أو ترتيبات دولية قد تؤدي إلى استقرار أعداد كبيرة من المهاجرين داخل الأراضي الليبية بصورة دائمة، وهو ما يعتبره قطاع واسع من الليبيين تهديداً مباشراً للسيادة الوطنية وللتوازنات السكانية والاجتماعية في البلاد. ومع تصاعد هذه المخاوف، انتقل الجدل من مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات العامة إلى المؤسسات الرسمية، التي سارعت إلى إعلان مواقف أكثر وضوحاً وحزماً تجاه القضية.
وفي الثاني من يونيو، أصدر مجلس النواب الليبي بياناً رسمياً أكد فيه رفضه المطلق لأي مشاريع أو مبادرات يمكن أن تُفسَّر على أنها توطين للمهاجرين غير النظاميين داخل ليبيا، مشدداً على أن معالجة ملف الهجرة يجب أن تتم بما يحفظ سيادة الدولة ومصالحها العليا، وبما يتوافق مع الإرادة الوطنية بعيداً عن أي ضغوط أو إملاءات خارجية. كما شدد المجلس على أن ليبيا، التي تواجه تحديات أمنية وتنموية كبيرة، لا يمكن أن تتحمل أعباء إضافية ناجمة عن سياسات لا تراعي خصوصية الوضع الليبي وتعقيداته.
ولم يقتصر التفاعل مع هذه التطورات على المستوى السياسي فقط، بل سرعان ما امتد إلى الشارع الليبي. ففي الثالث من يونيو، أطلق ناشطون ومواطنون عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي دعوات واسعة لتنظيم وقفات احتجاجية أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في العاصمة طرابلس، تعبيراً عن رفضهم لما يرونه دوراً للمفوضية في تكريس وجود المهاجرين داخل البلاد، ومطالبةً بمراجعة آليات عملها وأنشطتها.
ومع حلول الرابع من يونيو، تحولت تلك الدعوات إلى تحركات ميدانية واسعة، حيث شهدت طرابلس خروج أعداد كبيرة من المتظاهرين الذين تجمعوا أمام مقر المفوضية رافعين شعارات تؤكد رفض التوطين وتطالب بحماية الهوية الوطنية الليبية والحفاظ على التركيبة السكانية للبلاد. وتمكن المحتجون من تعطيل نشاط المقر وإغلاقه فعلياً، فيما اختار عدد منهم مواصلة الاعتصام المفتوح أمام المبنى لضمان استمرار الضغط الشعبي وتحقيق مطالبهم.
وفي موازاة هذه الاحتجاجات، شهدت مدن ومناطق ليبية أخرى حالة من التفاعل مع الأحداث، حيث تصاعدت الأصوات المطالبة باتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه ملف الهجرة غير النظامية، وسط تزايد الشعور العام بأن البلاد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة عبور رئيسية لعشرات الآلاف من المهاجرين القادمين من دول إفريقية وآسيوية مختلفة في طريقهم نحو السواحل الأوروبية.
كما تزامنت هذه التطورات مع تحركات أمنية مكثفة نفذتها الأجهزة المختصة في عدد من المناطق، شملت حملات تفتيش ومتابعة لأوضاع المهاجرين غير النظاميين، إلى جانب اتخاذ إجراءات لترحيل بعض المخالفين إلى بلدانهم الأصلية وفقاً للقوانين والاتفاقيات المعمول بها. وتأتي هذه التحركات في إطار مساعي السلطات للحد من تداعيات الهجرة غير النظامية التي باتت تمثل أحد أبرز التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد.
ويرى مراقبون أن جوهر الأزمة الحالية لا يرتبط فقط بوجود المهاجرين أو بأنشطة المنظمات الدولية، بل يعكس مخاوف أعمق تتعلق بمستقبل ليبيا وقدرتها على حماية حدودها وإدارة مواردها والحفاظ على توازنها الديموغرافي في ظل الأوضاع الداخلية المعقدة. كما أن هذه المخاوف تتغذى من تصورات راسخة لدى جزء كبير من الرأي العام الليبي بأن أي توسع في برامج الإقامة أو الحماية الدولية قد يُستغل مستقبلاً لفرض واقع سكاني جديد لا يحظى بقبول المجتمع الليبي.
ورغم حدة الاحتجاجات واتساع دائرة الرفض الشعبي والسياسي، فإن المشهد لا يزال مفتوحاً على مختلف الاحتمالات، خصوصاً في ظل عدم صدور أي قرار رسمي نهائي يقضي بإغلاق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشكل دائم أو إنهاء أنشطتها داخل ليبيا. ومع استمرار التوتر وتنامي الضغوط الشعبية، تبدو الأيام المقبلة مرشحة لمزيد من التطورات التي قد تحدد ملامح العلاقة بين السلطات الليبية والمنظمات الدولية العاملة في مجال الهجرة واللاجئين، كما قد ترسم ملامح جديدة للتعامل مع أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في البلاد خلال المرحلة الراهنة.
بقلم الاعلامية فوزية الصالحين الهوني
