وصف المدون

أخبار عاجلة

 




من أخطر القضايا التي تواجه النظام الدولي المعاصر اليوم، ليس فقط فشل بعض مؤسسات العدالة الدولية في تحقيق الإنصاف، بل الشكوك المتزايدة حول توظيفها سياسيًا بما يخدم موازين القوة الدولية أكثر مما يخدم القانون نفسه. والملف الليبي يُعد من أكثر النماذج إثارةً لهذا الجدل منذ إحالة الوضع في ليبيا إلى محكمة الجنايات.الدوليه.. بموجب القرار الصادر عن مجلس الأمن سنة 2011.

ظاهريًا، كان الهدف المعلن حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. لكن عمليًا، فإن التسلسل الزمني للأحداث يثير أسئلة قانونية خطيرة حول مدى حياد المحكمة، وحدود اختصاصها، وعلاقتها بالفعل السياسي والعسكري الذي قاد إلى انهيار الدولة الليبية.

فبعد أسابيع قليلة فقط من اندلاع أحداث فبراير، تحركت المحكمة بسرعة غير مسبوقة لإصدار مذكرات توقيف بحق العقيد ونجله ورئيس جهاز الاستخبارات ، استنادًا إلى اتهامات تتعلق بجرائم ضد الإنسانية.

 لكن السؤال القانوني الذي لم تتم الإجابة عنه بوضوح حتى اليوم: هل استندت المحكمة إلى تحقيقات ميدانية مستقلة وموثقة، أم إلى تقارير إعلامية وسياسية قُدمت في أجواء حرب ودعاية دولية مكثفة؟

الأخطر أن المحكمة تجاهلت لاحقًا واحدة من أهم القواعد الجوهرية في العدالة الجنائية الدولية، وهي مبدأ “شمولية المساءلة”. فالقانون الدولي الجنائي لا يقوم على ملاحقة طرفٍ واحد وترك بقية الأطراف بمنأى عن التحقيق، خصوصًا عندما تكون هناك ادعاءات موثقة بوقوع انتهاكات جسيمة من جميع الجهات.

لقد شهد العالم عمليات قصف واسعة نفذها حلف الاطلسي داخل ليبيا سنة 2011، شملت بنى تحتية ومنشآت مدنية ومناطق سكنية. وتقارير عديدة صادرة عن منظمات حقوقية دولية، ، تحدثت عن سقوط ضحايا مدنيين نتيجة بعض الغارات الجوية، وعن تجاوزات وانتهاكات ارتكبتها جماعات مسلحة خلال الحرب وما بعدها. ومع ذلك، لم نشهد تحقيقًا دوليًا جادًا أو ملاحقات حقيقية بحق أي مسؤول عسكري أو سياسي غربي شارك في العمليات العسكرية التي أسهمت في تدمير الدولة الليبية. وهذا يطرح إشكالية قانونية تتعلق بمبدأ المساواة أمام العدالة الدولية.

كما أن الميثاق نفسه ينص على احترام سيادة الدول وعدم استخدام القوة إلا ضمن حدود القانون الدولي. غير أن التدخل العسكري في ليبيا تجاوز عمليًا مفهوم “حماية المدنيين” المنصوص عليه في قرار مجلس الأمن 1973، وتحول إلى عملية تغيير نظام كاملة، وهو ما اعترف به لاحقًا عدد من المسؤولين الغربيين أنفسهم في تصريحات سياسية وإعلامية موثقة.

وهنا تظهر المفارقة القانونية الكبرى: المحكمة التي تحركت بسرعة ضد القيادة الليبية السابقة، لم تُظهر الحماسة نفسها تجاه التحقيق في النتائج الكارثية للتدخل العسكري الخارجي، رغم أن القانون الدولي الإنساني يُلزم بالتحقيق في أي هجمات قد ترقى إلى جرائم حرب إذا ثبت عدم التناسب أو استهداف المدنيين.

بل إن الملف الليبي يكشف أيضًا أزمة “الانتقائية” في العدالة الدولية. فالمحكمة الجنائية الدولية، منذ تأسيسها بموجب ،اتفاق روما تعرضت لانتقادات واسعة بسبب تركيز معظم تحقيقاتها على دول ضعيفة أو دول إفريقية، في حين ظل قادة دول كبرى خارج دائرة المساءلة الفعلية، إما بسبب النفوذ السياسي داخل مجلس الأمن، أو بسبب عدم انضمام بعض الدول الكبرى أصلًا إلى نظام روما الأساسي.

الأخطر من ذلك أن الحالة الليبية تحولت مع الوقت من ملف عدالة إلى ملف إدارة أزمة سياسية طويلة. فبعد أكثر من عقد على التدخل الدولي، ما زالت ليبيا تعاني الانقسام المؤسسي، وانتشار السلاح، والتدخلات الخارجية، والانهيار الاقتصادي والاجتماعي، دون أن تتمكن المحكمة من تحقيق مصالحة أو استقرار أو حتى إغلاق قانوني واضح للملف.

ومن الناحية القانونية البحتة، فإن مبدأ “التكامل القضائي” المنصوص عليه في نظام روما الأساسي يُعطي الأولوية للقضاء الوطني متى كان قادرًا وراغبًا في ممارسة اختصاصه. ولذلك فإن المطالبة اليوم بإعادة الاعتبار للقضاء الليبي وتمكين المؤسسات القضائية الوطنية من إدارة ملفاتها السيادية، ليست مجرد مطالبة سياسية، بل تستند إلى أساس قانوني معتبر داخل فلسفة العدالة الجنائية الدولية نفسها.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة قضائية هو أن تفقد ثقة الشعوب في حيادها. لأن العدالة عندما تُدرك باعتبارها أداة انتقائية أو غطاءً لإرادة القوى الكبرى، فإنها لا تُنتج سلامًا ولا استقرارًا، بل تُعمق الشعور بالظلم وتُحوّل القانون الدولي من قيمة أخلاقية جامعة إلى سلاح سياسي يُستخدم ضد الضعفاء فقط.

ولهذا يبقى السؤال القانوني والأخلاقي مفتوحًا حتى اليوم:

هل كانت المحكمة الجنائية الدولية في ليبيا تطبق العدالة فعلًا… أم أنها شاركت — بقصد أو بغير قصد — في شرعنة واحدة من أكثر عمليات إسقاط الدول إثارةً للجدل في العصر الحديث؟


بقلم فتحى عمر الشبلى....



Back to top button