لم يكن اسم جيفري إبستين مجرد عنوان لقضية جنائية عادية، بل تحوّل إلى رمز عالمي لشبكة معقدة تجمع بين النفوذ، المال، والسياسة في أكثر صورها ظلامًا. فمنذ أواخر التسعينيات، بدأ إبستين، رجل الأعمال الأمريكي غامض الثروة، في نسج علاقات واسعة مع شخصيات بارزة من مختلف أنحاء العالم، مستفيدًا من حضوره في الدوائر المغلقة للنخب السياسية والاقتصادية.
برز اسم إبستين في المجتمع الأمريكي بوصفه رجل علاقات أكثر منه مستثمرًا تقليديًا، وكان مقربًا من شخصيات نافذة، من بينها الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، الذي ورد اسمه لاحقًا في سجلات رحلات طائرة إبستين الخاصة، رغم نفيه القاطع لأي علم أو تورط في أنشطة غير قانونية. كما ارتبط إبستين بعلاقة اجتماعية سابقة مع دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، في سنوات ما قبل تفجّر الفضيحة.
غير أن الطابع الدولي للقضية تجلّى بوضوح مع ظهور اسم الأمير أندرو، دوق يورك ونجل ملكة بريطانيا الراحلة، الذي وُجهت له اتهامات مباشرة من إحدى الضحايا. ورغم نفيه المتكرر، انتهت القضية بتسوية مالية، ما أدى إلى تراجع دوره الرسمي داخل العائلة المالكة البريطانية.
في خلفية هذه العلاقات السياسية، لعب المال دورًا محوريًا. فقد ارتبط إبستين بالملياردير الأمريكي ليزلي ويكسنر، مؤسس علامة “فيكتوريا سيكريت”، الذي مكّنه من إدارة ثروته لسنوات طويلة. كما ظهر اسم المستثمر البارز ليون بلاك، الذي أقر بدفع مبالغ مالية لإبستين مقابل ما وصفه بـ“الاستشارات الضريبية”، وهو ما أثار تساؤلات حول طبيعة تلك العلاقة.
أما في الأوساط الأكاديمية والقانونية، فقد ذُكر اسم المحامي الشهير وأستاذ القانون آلان ديرشوفيتز ضمن إفادات قضائية وشهادات ضحايا، الأمر الذي نفاه بشدة، معتبرًا ما ورد بحقه تشهيرًا متعمدًا. كما ظهر اسم عالم الذكاء الاصطناعي الراحل مارفن مينسكي في شهادات لاحقة، ما فتح نقاشًا واسعًا حول استغلال النفوذ العلمي والأكاديمي.
وسط هذه الشبكة، كانت غيلين ماكسويل الشخصية الأكثر قربًا وتأثيرًا في حياة إبستين. لعبت دور الوسيط والمنسق، وساهمت – بحسب القضاء الأمريكي – في تجنيد واستغلال القاصرات. وفي عام 2021، أُدينت رسميًا وحُكم عليها بالسجن، لتكون الشخصية الوحيدة من الدائرة الداخلية التي نالت حكمًا قضائيًا مباشرًا.
بلغت القضية ذروتها عام 2019، حين أُعيد اعتقال إبستين بتهم الاتجار الجنسي بالقاصرات، قبل أن يُعلن عن وفاته داخل زنزانته في نيويورك في ظروف وُصفت رسميًا بالانتحار، لكنها ظلت محل شك واسع لدى الرأي العام. ومع وفاته، لم يُغلق الملف، بل ازداد تعقيدًا، إذ تحوّل ما يُعرف بـ“ملف إبستين” إلى رمز لوثائق غير مكتملة، وأسماء لم تُحاسب، وعدالة يراها كثيرون انتقائية.
شمس اليوم نيوز
