في الحوار الذي دار بين السيد البكوش والدكتور غنيه على شاشة قناة ليبيا الأحرار، كان بإمكان مقدم البرنامج، السيد محمد زينوبة، أن يتجاوز النقاش الدائر بين الرجلين وينتقل إلى سؤاله التالي، أو أن يدير الحوار بما يحفظ كرامة ضيوفه ويمنح المشاهد فرصة لفهم وجهات النظر المختلفة. لكنه اختار أن يتدخل بعبارة مفادها أن العودة إلى الوطن ليست منّة من أحد ولا فضلًا من أحد، وذلك عقب حديث الدكتور غنيه عن تجربة البكوش في الغربة وعودته إلى ليبيا.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: ما الذي استدعى هذا التدخل بهذه الصيغة تحديدًا؟ وهل كان المقصود توضيح فكرة عامة، أم أن العبارة حملت إيحاءً شخصيًا جعلها تبدو وكأنها اتهام لغنيه بأنه يمنّ على البكوش أو على غيره بعودته إلى وطنه؟
يا سيد محمد زينوبة، إن إدارة الحوار التلفزيوني ليست مجرد القدرة على التقاط الكلمات واستثمار لحظات التوتر، بل هي مسؤولية أخلاقية ومهنية تقتضي التمييز بين السؤال الذي يفتح أبواب الفهم، والتدخل الذي قد يفتح أبواب التأويل وسوء الظن. فليس كل ردّ ذكي إدارةً ناجحة للحوار، وليس كل عبارة تبدو محايدة تخلو من أثر جارح في نفس من وُجّهت إليه.
الغربة ليست راتبًا بالدولار، ولا وظيفة في قناة تلفزيونية، ولا مجرد سنوات يقضيها الإنسان بعيدًا عن بلده. الغربة إحساس بالفقد، وحرمان من تفاصيل الحياة التي لا يعرف قيمتها إلا من ابتعد عنها، وقد يعيشها إنسان في وطنه وهو بين أهله، بينما يعجز آخر عن فهمها ولو أقام سنوات طويلة خارجه. لذلك لا ينبغي أن تتحول معاناة الغربة إلى مادة للمزايدة أو المقارنة بين الأشخاص.
أما العودة إلى الوطن، فهي حق لا يحتاج صاحبه إلى منّة من أحد، كما أن الحديث عن تجارب العائدين لا يعني بالضرورة أن أحدًا يمنّ عليهم أو يصادر حقهم في العودة. والخلط بين الأمرين قد يحوّل عبارة عابرة إلى إساءة لم يقصدها صاحبها، أو إلى إيحاء لا يخدم الحقيقة ولا الحوار.
يا محمد زينوبة، إن ذكاء مقدم البرامج يُقاس بقدرته على إدارة الاختلاف، لا بتأجيج حساسية المواقف؛ وبقدرته على انتزاع الحقيقة من ضيوفه، لا بدفعهم إلى جراح شخصية لا علاقة لها بجوهر الموضوع. فالشاشة ليست ساحة لتصفية الحسابات، والميكروفون ليس أداة لإحراج الضيف أو وضعه في موضع الدفاع عن نفسه.
نحن لا نعترض على اختلافك مع غنيه ولا على حقك في الرد عليه وان كان انه ليس من حقك الرد عليه فانت تدير حوار، وإنما نتساءل عن جدوى تدخل كان يمكن أن يمرّ الحوار من دونه، وعن أثر كلمات قد تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تترك في النفوس ما هو أبعد من معناها المباشر.
تذكّر يا محمد أن المهنية الحقيقية ليست أن تعرف متى تتكلم فحسب، بل أن تعرف متى يكون كلامك ضروريًا، ومتى يصبح الصمت أبلغ، ومتى تتحول الكلمة من وسيلة لإدارة الحوار إلى سبب في جرح المشاعر.
ما هكذا تورد الإبل يا محمد زينوبة؛ فالإعلام مسؤولية، والذكاء بلا حكمة قد يجرح أكثر مما يقنع، والكلمة التي تخرج على الهواء لا تعود إلى صاحبها، بل تبقى شاهدًا على الطريقة التي اختار بها أن يخاطب الناس.......
ولا تنسي ان التاريخ اليوم صوت وصورة........
بقلم دكتور فتحى عمر الشبلى....
