في تونس، الإعلام قادر على تخصيص ساعات للحديث عن خصام بين فنانين، وأيام لمتابعة فضيحة على مواقع التواصل، وحلقات كاملة لتحليل تصريح فارغ، لكنّه يعجز أحيانًا عن إنتاج عشر دقائق تجعل المواطن يكتشف كتابًا أو يفكّر في فكرة أو يغيّر رأيه. عندنا استوديوهات مجهّزة، وكاميرات باهظة، ومقدّمون يتقنون رفع الصوت أكثر من رفع مستوى النقاش، ومنتجون يفتّشون عن الفكرة في نسب المشاهدة، فإذا لم يجدوا فضيحة أو صراخًا أو دموعًا، أعلنوا وفاة الحلقة قبل بثّها!
المشكلة ليست أنّ التونسي لا يحبّ القراءة بالضرورة، بل أنّ جزءًا من المادة الإعلامية يتعامل معه كأنّه عقل يجب تخديره، لا ذهن يجب إيقاظه. برامج تستهلك ساعات من البثّ في إعادة تدوير التفاهة، ثمّ تشتكي من عزوف الجمهور عن الثقافة! يا للمفارقة: نُطعم العقل وجبات سريعة طوال اليوم، ثمّ نلومه لأنّه لم يطلب كتابًا على العشاء!
أين المنتج الذي يفكّر في برنامج يجعل رواية تتحوّل إلى نقاش شعبي؟ أين الصحفي الذي يكتشف كاتبًا شابًا قبل أن يكتشفه منشور عابر؟ أين الحصّة التي تربط كتابًا بمشكلة البطالة، أو الحبّ، أو التربية، أو السياسة، وتقول للمشاهد: هذه فكرة قد تغيّر شيئًا في حياتك؟ لماذا لا نرى مسابقات قراءة ذكية، ومواجهات بين الأفكار، ولقاءات مع كتّاب تُقدَّم فيها الكتب باعتبارها مغامرات عقلية، لا واجبًا مدرسيًا ثقيلًا؟
طبعًا، ليس كلّ الإعلام تافهًا، وليست نسب المشاهدة عدوًّا للثقافة. لكنّ الكارثة تبدأ حين تصبح السهولة مرادفًا للسطحية، وحين يقتنع المنتج أنّ الجمهور لا يريد التفكير، فقط لأنّه لم يجرّب يومًا أن يقدّم له ما يستحقّ التفكير فيه. فالجمهور الذي يتابع تحقيقًا مشوّقًا أو مسلسلًا محكمًا أو نقاشًا ذكيًا ليس أقلّ قدرة على الاهتمام بكتاب؛ إنّه يحتاج فقط إلى من يعرف كيف يفتح له الباب.
**الإعلام لا يصنع قارئًا بترديد عبارة «القراءة مهمّة»، بل بصناعة محتوى يجعل الإنسان يتشوّق إلى المعرفة.** وإذا كان التلفزيون قد نجح في صناعة نجوم من أشخاص لا يملكون أحيانًا سوى القدرة على إثارة الجدل، فلماذا يعجز عن صناعة نجومية لكاتب أو كتاب أو فكرة؟
ربّما لأنّ الكتاب لا يصرخ، ولا يفتعل شجارًا، ولا يبيع فضيحة في الفاصل الإشهاري. إنّه يطلب من المشاهد دقائق من التركيز، وهذه، في زمن الاستسهال، تبدو جريمة إنتاجية!
المطلوب ليس برنامجًا ثقافيًا يتيمًا يُبثّ في ساعة ينام فيها الجمهور، ولا فقرة عن الكتاب تُضاف إلى نشرة الأخبار لإكمال الديكور. المطلوب سياسة تحريرية تجعل المعرفة جزءًا من الإعلام اليومي، وتمنح الصحفي والمنتج مساحة للابتكار، وتربط الترفيه بالذكاء، والفرجة بالفكرة، والشهرة بالقيمة.
فإذا كان الإعلام عاجزًا عن خلق فكرة تجعل الناس تقرأ، فالمشكلة ليست دائمًا في غياب القارئ؛ قد تكون أيضًا في غياب من يعرف كيف يخاطبه.
**نحن لا نعاني فقط من أزمة قراءة… نحن نعاني أحيانًا من إعلام يريد جمهورًا يصفّق، لا جمهورًا يفكّر. وحين يخاف الإعلام من الفكرة، فلا عجب أن يهرب المشاهد إلى التفاهة، ويهرب الكتاب إلى الرفّ، ويصبح العقل نفسه ضيفًا ثقيلًا على الشاشة!**

بقلم شكري بن حسين