إن رقع النظام الصحي الليبي لم تعد مجرد فجوات يمكن سدها بقرارات عشوائية أو معالجات مؤقتة، لقد اتسعت وتكاثرت حتى أصبحت الرقع نفسها مواضع خلل، وتحولت محاولات الترقيع المتكررة إلى جزء من المشكلة.
فالفجوات التي صنعتها اختلالات التخطيط والإهمال وسوء الإدارة وغياب الرؤية المتكاملة والإرادة الإصلاحية، تفاقمت تحت وطأة الظروف التي مرت وتمر بها البلاد حتى أخذت تضرب بنية النظام الصحي وقدرته على الاستجابة لاحتياجات المجتمع.
وحين تتراكم الاختلالات وتتداخل أسبابها ونتائجها لا يعود الترميم كافيًا وإنما تصبح إعادة البناء ضرورة لا تحتمل التأجيل. تبدأ الفجوة من السكان والمكان والاحتياجات المتغيرة، فقد تزايد السكان وتبدلت خريطتهم الديموغرافية والجغرافية بينما تراجعت قدرة المرافق الصحية على مواكبة هذه التحولات.
فالمباني المتقادمة والمتهالكة والمرافق غير الملائمة ونقص الكوادر والأسرة والتجهيزات والتقنيات لا تلبي متطلبات الطب الحديث ولا تستعد لاحتياجات المستقبل.
واتسعت المسافة بين ما يحتاجه المواطن وما يستطيع النظام تقديمه وبين الإمكانات العلمية المتاحة عالميًا والقدرات التي يمتلكها محليًا. ولم تعد الفجوة مقتصرة على المنشآت والأجهزة وإنما امتدت إلى فلسفة الخدمات الصحية وطبيعة أدائها.
فالعالم يتقدم نحو منظومات تستبق المرض وتتنبأ بالمخاطر وتكتشف عواملها مبكرًا وتستثمر في الوقاية والصحة العامة وصحة المجتمع والصحة الواحدة والصحة الفردية والمنزلية والمصاحبة.
وهذه التحولات تتطلب مختبرات مرجعية وسجلات صحية إلكترونية وبنية رقمية متكاملة وكوادر مؤهلة قادرة على تحليل البيانات وتوظيفها، وبرامج مستمرة للتوعية الصحية ومحو الأمية الصحية وتغيير أنماط الحياة.
كما تتطلب استعدادًا مؤسسيًا للتحديات الصحية والبيئية والمناخية والاقتصادية والاجتماعية، وللصراعات والحروب والهجرات والأوبئة والكوارث.
فالوقاية والكشف المبكر لا ينبغي أن يكونا حملات موسمية وإنما ممارسة مؤسسية مستمرة تسبق المرض ومضاعفاته. غير أن الفجوة الأشد خطورة هي فجوة الكوادر البشرية المؤهلة. فالمنشآت لا تصنع نظامًا صحيًا بمجرد وجودها والأجهزة لا تحقق طبًا آمنًا من دون خبرات تعرف كيف تشغلها وتفسر نتائجها وتوظفها في القرار الصحيح.
وتحتاج ليبيا إلى تعزيز كوادر الصحة العامة وطب المجتمع والطب الوقائي وطب الأسرة والصحة الواحدة والصحة النفسية والرعاية المنزلية والمصاحبة وإدارة الأمراض المزمنة، إلى جانب الكفاءات المتخصصة في الصحة الرقمية والسجلات الإلكترونية والبحث الوبائي والتثقيف الصحي.
إن بناء هذه القدرات شرط أساسي لحماية المجتمع وتقليل المرض والمضاعفات وتحسين العمر الصحي وجودة الحياة.
وفي التخصصات الطبية تتسع الفجوة بين الاحتياجات الفعلية وتوافر الكفاءات، من الطب العام والأسرة والأطفال والنساء والولادة والباطنة والجراحة والعظام والأعصاب والقلب، إلى الأورام والطوارئ والحوادث والرعاية الحرجة والتخصصات الدقيقة.
وفي الوقت نفسه تتقدم العلوم الطبية في مجالات الأورام والأمراض المناعية والنادرة والمعقدة، والطب التداخلي والجيني والخلوي والتجديدي والطب الدقيق والتقنيات التشخيصية والعلاجية المتقدمة. ولا يكمن الحل في استيراد المسميات أو التوسع العشوائي في التخصصات وإنما في بناء خريطة وطنية للاحتياجات تستند إلى عبء المرض والأولويات السريرية والجدوى العلمية، وتربط التخصصات الأساسية بالدقيقة وتؤهل البلاد لمواكبة التطور العالمي بدل البقاء في دائرة العجز والتأخر. أما الفجوة الأعمق والأكثر تأثيرًا في المستقبل فهي فجوة التعليم الطبي والتدريب السريري والبحث العلمي.
فهذه هي المنظومة التي تُعد الأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة والتمريض والفنيين وسائر المهن الصحية، وتضمن تجدد المعرفة والكفاءة وسلامة الممارسة. ولا يكفي تكثير الجامعات والكليات أو زيادة أعداد المقبولين إذا غابت المعايير الأكاديمية والمناهج الحديثة وأعضاء هيئة التدريس المؤهلون والمستشفيات الجامعية المرجعية ومراكز المحاكاة والتدريب السريري المنظم والبحث العلمي الحقيقي.
إن ليبيا بحاجة إلى مراجعة شاملة لخريطة التعليم الطبي والصحي، وأعداد مؤسساته وجودة مخرجاته وربط القبول الجامعي بالاحتياجات الوطنية والقدرة التدريبية الفعلية.
كما تحتاج إلى مستشفيات جامعية حقيقية مرتبطة بالكليات والجامعات، ومدن طبية أكاديمية متكاملة حيث تقتضي الحاجة، وبرامج تخصص وتخصص دقيق معترف بها، وشراكات علمية رصينة مع المؤسسات العالمية المعتمدة.
فالشهادة التي لا تسندها كفاءة والتدريب الذي لا يضمن الممارسة الآمنة والبحث الذي لا يخدم المجتمع، ليست إنجازات تعليمية وإنما فجوات إضافية مهما حملت من أسماء أو استهلكت من أموال. وتزداد الأزمة تعقيدًا حين تتعدد الهياكل والجهات والمجالس والاجسام والصناديق والبرامج وتتشتت المسؤوليات والموارد والمعلومات وتغيب المساءلة المتماسكة.
لذلك لا يكفي إصلاح كل مرفق بمعزل عن الآخر إنما يجب بناء منظومة صحية وطنية موحدة ومتكاملة، واضحة المسؤوليات قائمة على التخطيط المبني على البيانات، والتمويل المستدام والتوزيع العادل للموارد والرقابة الفعالة وقياس الجودة والنتائج. منظومة تربط الوقاية بالتشخيص والعلاج والتأهيل والرعاية التلطيفية وتضع صحة الإنسان في مركز اهتمامها طوال مراحل حياته وتحقق التغطية الصحية الشاملة والعدالة والإنصاف. ويقتضي الإصلاح إنهاء الممارسات التجارية التعليمية والتدريبية التي تتعارض مع الأصول العلمية ومعايير الجودة والسلامة، ومحاسبة المخالفات وإغلاق المؤسسات أو البرامج التي يثبت عجزها عن استيفاء المتطلبات وفق القانون وإجراءات مهنية واضحة.
فلا يجوز أن يصبح استمرار المؤسسة غاية في ذاته، أو أن تتحول حاجة الناس إلى العلاج وحاجة الشباب إلى التعليم والتخصص إلى فرصة للمتاجرة.
وفي المقابل فإن إعادة البناء لا تعني الهدم الارتجالي لما هو قائم وإنما انتقالًا منظمًا يحمي المرضى ويضمن استمرار الخدمات ويعيد توجيه الموارد وفق الأولويات الوطنية. إن ليبيا لا تحتاج إلى رقع جديدة فوق رقع قديمة ولا إلى هياكل تحمل أسماء حديثة بينما تستمر آليات العمل ذاتها.
إنها تحتاج إلى مشروع وطني لإعادة بناء الصحة يبدأ بتشخيص علمي موثق للفجوات وترتيبها بحسب خطورتها، وتحديد الاحتياجات البشرية والمكانية والتقنية والمالية، ووضع مراحل تنفيذ واضحة بمسؤوليات معلنة ومؤشرات قابلة للقياس. مشروع يعيد تأسيس البنية التحتية ويؤهل الكوادر ويطور التعليم والتدريب والبحث، ويؤسس للتحول الرقمي ويعزز الوقاية والصحة العامة، ويجعل العافية والعمر الصحي والرفاه أهدافًا وطنية قابلة للتحقق.
فالرقع حين تتسع تصبح شاهدًا على أن النسيج نفسه فقد قدرته على الاحتمال. والفجوات حين تتداخل لا تُردم بمجرد زيادة الإنفاق ما لم يتغير أسلوب التخطيط والإدارة وتوزيع الموارد والمساءلة. وكل تأخير في معالجة الاختلالات البنيوية يعني مزيدًا من الأمراض التي كان يمكن الوقاية منها والمضاعفات التي كان يمكن تجنبها والموارد التي تُستنزف والأعباء التي يتحملها المواطن والمجتمع.
إن أخطر ما يواجه النظام الصحي الليبي ليس اتساع الفجوات وحده وإنما الاعتياد عليها حتى تصبح جزءًا من المشهد والتعايش مع الاختلال حتى يبدو قدرًا لا يمكن تغييره.
فالصحة لا تُبنى بالترقيع الدائم ولا تُستعاد بتدوير أسباب العطب وإنما بإرادة علمية ومؤسسية تواجه الخلل من جذوره. وإذا لم تبدأ إعادة البناء العاجلة على أسس علمية وصحية وهيكلية واضحة فستواصل الرقع اتساعها وستزداد الفجوات عمقًا وتكلفة وسيظل النظام الصحي يدفع نحو الهاوية بدل أن يجد طريق الخروج منها.
د.علي المبروك أبوقرين
