في مواجهة محاولات طمس الهوية والاستيلاء على الموروث الثقافي والحرفي، أطلق عدد كبير من التونسيين حملة «اطبع صنع في تونس – MADE IN TUNISIA»،التي اطلقها المدون "سنجق شوقي" في مبادرة تحمل رسالة واضحة وهي ان حماية كل ما هو تونسي تبدأ بتثبيت هويته، والتعريف بأصله، ومنع استغلاله أو نسبته إلى غير موطنه الحقيقي.
فالمعركة من أجل حماية التراث لا تُخاض فقط في المحافل الثقافية والدولية، ولا تقتصر على الدفاع عن تاريخ الأجداد والردّ على محاولات الاستحواذ على الموروث التونسي، بل تبدأ أيضًا من تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تحمل أهمية استراتيجية، وفي مقدمتها وضع ختم الأصالة ووسم «صنع في تونس» على كل منتوج تونسي يشقّ طريقه إلى الأسواق العالمية.
في هذا السياق، لا يُعدّ التاجر أو الحرفي أو المصدّر مجرّد حلقة في سلسلة الإنتاج والتوزيع، بل هو حامل لأمانة وطنية تتمثّل في صون الهوية التونسية وحماية حقوق أصحاب الحرف والموروثات التقليدية. فكل قطعة فخار، وكل زربية، وكل تحفة نحاسية، وكل منتوج تقليدي يحمل في تفاصيله بصمة الأرض التونسية، ومهارة الأيدي التي صنعته، وذاكرة أجيال تناقلت أسرار الحرفة وخصوصياتها.
المدونون والنشطاء يعتبرون ان كل مصدّر تونسي، وكل حرفي، وكل تاجر يحمل اسم تونس إلى العالم وبالتالي فمنتوجه ليس مجرّد بضاعة تُباع وتُشترى، أو مجرد قطعة تُحمَل في شاحنة أو حاوية وتعبر الحدود. إنّها قطعة من روح هذه الأرض، وشاهد على هويتها، وامتداد لذاكرة الاجداد و عليه حين يغادر المنتوج الحدود من دون علامة واضحة تثبت أصله، فإنك تترك المجال مفتوحًا أمام ضياع هويته، أو إعادة تسويقه تحت أسماء أخرى، أو استغلال قيمته الثقافية والتجارية من أطراف أخرى.
إنّ السكوت عن وسم المنتوج التونسي لم يعد مجرّد إهمال تجاري، بل أصبح مسألة تستوجب الوعي والمسؤولية، لأنّ غياب التعريف الواضح بالمصدر قد يجعل المنتوج مجهول الهوية في الأسواق الخارجية، مهما كانت قيمته وجودته وأصالته.
ومن هنا تبرز أهمية حملة «اطبع صنع في تونس»، باعتبارها دعوة إلى تحويل الاعتزاز بالهوية الوطنية إلى ممارسة يومية ملموسة، تبدأ من الحرفي الذي يصنع، وتمرّ بالتاجر الذي يسوّق، وصولًا إلى المصدّر الذي يحمل المنتوج التونسي إلى العالم.
وسم الأصالة... خط الدفاع الأول عن الموروث التونسي..
إنّ حماية المنتوج التونسي تقتضي اعتماد إجراءات واضحة وعملية، في مقدمتها: طباعة عبارة «صنع في تونس – MADE IN TUNISIA» على المنتوجات ووسائل تغليفها، وفق القواعد المنظمة لبلد المنشأ.
إبراز العلم التونسي والهوية الوطنية بطريقة واضحة تساعد المستهلك على التعرّف إلى أصل المنتوج.
اعتماد علامات الأصالة والمؤشرات الجغرافية بالنسبة إلى المنتوجات المؤهلة، بما يضمن توثيق منشئها وخصوصياتها.
تطوير وسائل التوثيق والتعريف الرقمي من خلال بطاقات تعريفية ورموز QR تتيح، عند اعتمادها، معرفة الحرفي أو الجهة المنتجة ومكان الصنع.
تعزيز الوعي لدى الحرفيين والتجار والمصدّرين بأنّ حماية الهوية ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية مشتركة بين جميع المتدخلين.
ففي الأسواق العالمية، لا تكفي جودة المنتوج وحدها لضمان مكانته إذ يتطلب الحفاظ على قيمته أيضًا حماية اسمه وأصله وخصوصياته من التقليد والاستغلال غير المشروع.
ولا يعني ذلك أنّ كل تشابه بين المنتوجات التقليدية دليل على السرقة، بل إنّ حماية الحقوق تقتضي التوثيق، وإثبات المنشأ، والاستناد إلى الآليات القانونية المتاحة، حتى يكون الدفاع عن الموروث التونسي قائمًا على الحجّة والحق.
إنّ حملة «اطبع صنع في تونس» ليست مجرّد شعار يُرفع على شبكات التواصل الاجتماعي، بل هي دعوة إلى تغيير طريقة التعامل مع المنتوج التونسي، من سلعة تجارية عابرة للحدود إلى قيمة اقتصادية وثقافية تحمل اسم بلدها وتاريخها.
فالتاجر والحرفي والمصدّر يحملون أمانة تتجاوز حدود الربح والخسارة؛ إنّهم مسؤولون، كلّ من موقعه، عن صون هوية وطنية تشكّلت عبر قرون من الإبداع والعمل وتراكم الخبرات.
ولا يجوز أن تتحوّل مهارة اليد التونسية إلى قيمة مضافة يستفيد منها الآخرون، بينما يبقى أصل المنتوج مجهولًا أو تُمحى هويته عند وصوله إلى الأسواق الخارجية.
فالمعركة من أجل التراث لا تبدأ عندما يُنسب إلى غير أصحابه، بل تبدأ قبل ذلك، منذ اللحظة التي نغفل فيها عن توثيقه والتعريف به.
«اطبع صنع في تونس»... لأنّ حماية الموروث تبدأ من حماية اسمه، ولأنّ تونس تستحق أن يُعرَف منتوجها بهويته الحقيقية.
اسماء وهاجر
