إن كرامة الأوطان ليست كلمة عابرة ولا شعارًا يُرفع في المناسبات بل هي قيمة راسخة تعكس مكانة الشعوب وهيبة الدول واحترامها بين الأمم. وحين تصدر عن رئيس دولة كبرى تصريحات تحمل إهانة لليبيا أو لشعبها فإن الأمر يتجاوز حدود الكلمات ليصبح قضية تستحق الوقوف عندها بوعي ومسؤولية وكرامة وطنية.

 إننا حين نتحدث عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وما نُسب إليه من أوصاف مهينة تجاه ليبيا فإننا لا ننطلق من موقف عدائي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية ولا من رغبة في الإساءة إلى شعبها وإنما ننطلق من مبدأ واضح لا يقبل المساومة وهو أن احترام الدول والشعوب يجب أن يكون أساسًا في العلاقات الدولية مهما اختلفت المصالح وتباينت المواقف السياسية. 

فليبيا ليست مجرد مساحة على خارطة العالم وليست اسمًا عابرًا في نشرات الأخبار بل هي وطن عريق بتاريخ يمتد في أعماق الحضارة وأرض أنجبت رجالًا ونساءً دافعوا عن استقلالها وكرامتها وقدّم أبناؤها التضحيات من أجل أن تبقى ليبيا حرة مستقلة ذات سيادة. 

ومن حق الليبيين أن يتساءلوا كيف يمكن لدولة أن تطالب الآخرين باحترامها بينما يُسمح بالإساءة إلى شعب آخر والتقليل من شأنه؟ إن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من سلاح واقتصاد ونفوذ سياسي بل تُقاس أيضًا بقدرتها على احترام الآخرين والالتزام بلغة مسؤولة تليق بمكانتها الدولية. 

ولكن علينا في المقابل أن نواجه أنفسنا بالحقيقة. فاحترام العالم لنا يبدأ من احترامنا لأنفسنا ومن قدرتنا على بناء دولة قوية بمؤسساتها وقوانينها ووحدة شعبها. 

ولا يمكن أن نطالب الآخرين بتقدير ليبيا بينما نسمح باستمرار الانقسام السياسي والصراعات الداخلية وتراجع هيبة المؤسسات وغياب الموقف الوطني الموحد. 

إن المسؤولية هنا لا تقع على الخارج وحده بل تقع كذلك على عاتق الحكومات والقيادات السياسية وكل من يتولى مسؤولية عامة. فالدولة التي تريد أن تُحترم يجب أن تمتلك خطابًا سياسيًا واضحًا ومؤسسات فاعلة ودبلوماسية حاضرة وموقفًا وطنيًا موحدًا يدافع عن سيادتها وكرامة مواطنيها. 

إن الصمت أمام الإهانات لا يصنع الاحترام كما أن الانفعال والشتائم لا يصنعان هيبة الدول. المطلوب هو موقف رسمي مسؤول ورد دبلوماسي قوي وخطاب وطني متزن يؤكد أن ليبيا دولة مستقلة وأن شعبها يستحق الاحترام وأن أي خلاف سياسي لا يبرر الانتقاص من كرامة شعب بأكمله. وليس من العدل أن يتحمل المواطن الليبي وحده نتائج الانقسام وضعف الأداء السياسي ثم يجد نفسه أمام تصريحات تقلل من شأن وطنه. 

فالمواطن الليبي الذي يعاني من الأزمات ويبحث عن الاستقرار والأمان والعيش الكريم لا يستحق أن يكون موضوعًا للسخرية أو الإهانة بل يستحق دولة تحمي حقوقه وتصون كرامته وتمنحه الأمل في مستقبل أفضل. 

إننا نوجّه رسالتنا إلى المسؤولين الليبيين بأن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبيانات المؤقتة وحدها وإنما بالعمل الجاد على توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام وبناء دولة القانون وإعادة الاعتبار للدبلوماسية الليبية. 

كما نوجّه رسالتنا إلى المجتمع الدولي بأن احترام سيادة الدول وكرامة شعوبها ليس مجاملة سياسية بل مبدأ أساسي يجب أن يسري على الجميع دون استثناء. 

 ليبيا أكبر من أن تختصرها كلمة مهينة ستظل ليبيا أكبر من أي وصف عابر وأعمق من أن تنال منها تصريحات مهما كان مصدرها. 

إن كرامة ليبيا مسؤولية أبنائها قبل أن تكون مطلبًا من الآخرين وهي أمانة في أعناق حكامها ونخبها السياسية والإعلامية وكل مواطن يؤمن بأن الوطن يستحق الأفضل.

يا سادة المسؤولين في ليبيا إن التاريخ لا يرحم من يفرّط في كرامة وطنه والشعوب لا تنسى من وقف مدافعًا عن عزتها. 

فاجعلوا من هذه المواقف دافعًا لمراجعة الذات وتوحيد الصفوف وبناء دولة تحظى بالاحترام بقوة مؤسساتها وعدالة قوانينها ووعي شعبها. ليبيا ليست قمامة وليبيا ليست إهانة وليبيا ليست وطنًا بلا قيمة.

 ليبيا وطن الشموخ والتاريخ والتضحيات وشعبها يستحق أن يعيش مرفوع الرأس بين شعوب العالم. وسيبقى صوتنا واضحًا نختلف مع السياسات ولا نعادي الشعوب ونرفض الإهانة دون أن ننحدر إلى الإساءة ونؤمن بأن قوة ليبيا الحقيقية تبدأ من وحدتها وكرامة أبنائها. حفظ الله ليبيا وشعبها وجعل رايتها عالية وكرامتها مصونة وسيادتها محفوظة.


 بقلم فوزية أحمد صالحين الهوني