الذاكرة ليست مجرد قدرة على استرجاع المعلومات وإنما جزء أصيل من هوية الإنسان واستقلاله ووعيه بذاته والعالم من حوله.
ومع التقدم في العمر قد تتباطأ سرعة التذكر واسترجاع المعلومات لكن الخرف ومرض الزهايمر ليسا نتيجة حتمية للشيخوخة كما أن النسيان المتكرر الذي يؤثر في الحياة اليومية يستوجب التقييم الطبي المبكر وليس اعتباره أمراً طبيعياً بحكم السن.
وتؤكد المعارف العلمية أن حماية الدماغ تبدأ من نمط الحياة وأن مجموعة من العادات الصحية قد تسهم في تقليل خطر التدهور المعرفي والخرف.
ويأتي في مقدمتها النشاط البدني المنتظم، والتغذية المتوازنة الغنية بالخضروات والفواكه والبقول والحبوب الكاملة والأسماك، والنوم الجيد والتعلم المستمر والقراءة والتفاعل الاجتماعي.
كما أن ضبط ضغط الدم وسكر الدم والكوليسترول والإقلاع عن التدخين، ومعالجة ضعف السمع والبصر والاكتئاب عند وجودها، تمثل جوانب مهمة في حماية الصحة الدماغية، فسلامة الأوعية الدموية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسلامة الدماغ ووظائفه.
وفي عصر الشاشات والذكاء الاصطناعي تزداد أهمية الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، بحيث تظل أداة تعزز قدرات الإنسان ولا تحل محل تفكيره المستقل وتذكره وتعلمه وحل المشكلات. فالإفراط في المشاهدة السلبية للشاشات قد يأتي على حساب الحركة والنوم والقراءة والتواصل الإنساني بينما تساعد الأنشطة الذهنية المتنوعة مثل الحوار وتعلم مهارات جديدة والألعاب التي تتطلب التفكير، على إبقاء العقل نشطاً، وإن لم تكن أي منها ضماناً مستقلاً للوقاية من الزهايمر.
وتستدعي بعض التغيرات اهتماماً خاصاً منها نسيان الأحداث الحديثة بصورة متكررة، والضياع في أماكن مألوفة، وصعوبة إنجاز المهام المعتادة، واضطراب اللغة أو الحكم على الأمور، والتغيرات الملحوظة في الشخصية والسلوك. وعند ظهور هذه العلامات أو تفاقمها ينبغي طلب التقييم الطبي إذ قد ترتبط اضطرابات الذاكرة أحياناً بأسباب أخرى قابلة للعلاج مثل اضطرابات النوم والاكتئاب وبعض الآثار الدوائية ونقص بعض العناصر الغذائية.
كما ينبغي تجنب الحميات غير المتوازنة والمكملات التي تُسوق لتحسين الذاكرة دون دليل علمي كاف أو استشارة طبية. إن الاحتفاء بكبار السن لا ينبغي أن يظل مناسبة عابرة تتجدد مرة كل عام ولا كلمات تقدير تُقال ثم تنتهي بانتهاء الاحتفال فلكبار السن حق في الرعاية والاهتمام والاحترام كل يوم وعلى مدار الساعة، في بيوتهم ومجتمعاتهم ومؤسساتهم الصحية.
إنهم أصحاب أعمار اختُزنت فيها الخبرات، وذاكرة تحمل تاريخ الأسر والمجتمعات، وكرامة لا يجوز أن تنتقصها الشيخوخة أو المرض أو تراجع القدرات.
ومن ثم فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على تعزيز الوقاية من الخرف والزهايمر وإنما تمتد إلى توفير الرعاية الصحية المستمرة، والدعم النفسي والاجتماعي، والبيئة الآمنة، والحماية من الإهمال والعزلة، وصون حقهم في الاستقلال والمشاركة والحياة الكريمة.
فكل يوم هو يوم لكبار السن، وكل ساعة يحتاج فيها أحدهم إلى الرعاية هي اختبار حقيقي لإنسانيتنا.
وليس تحضر المجتمعات بما تقيمه من احتفالات، وإنما بما تمنحه لكبارها من اهتمام حين لا تكون هناك مناسبة، وبما تحفظه لهم من كرامة حين يصبحون أكثر حاجة إلى الآخرين.
إن قيمة العمر ليست بعدد السنوات وحده وإنما بما يتيحه من استقلال ومعنى وعلاقات إنسانية. ولذلك فإن رعاية الذاكرة ليست معركة ضد الزمن إنما مسؤولية تجاه الإنسان في كل مراحل حياته، مسؤولية تجعل الوقاية ثقافة والرعاية حقاً والشيخوخة مرحلة تستحق الحياة الكاملة ليست مجرد البقاء.
فأعمار كبار السن ليست موسماً في تقويمنا، وحقوقهم ليست مناسبة سنوية كل يوم هو يومهم ورعايتهم عهد إنساني لا ينتهي.
*تحية إجلال ومحبة ووفاء لكل كبارنا، كبار القدر والمقام الذين حملوا أعمارهم بالعطاء وتركوا في حياتنا آثاراً لا تمحوها السنوات.
لهم منا كل التقدير والاحترام، وحقهم علينا أن نصون كرامتهم ونرعى صحتهم، ونؤنس وحدتهم ونحفظ لهم مكانتهم في قلوبنا ومجتمعاتنا.
كل يوم هو يومهم وكل ساعة هي فرصة لرد بعض جميلهم، وكل رعاية نقدمها لهم هي شهادة على إنسانيتنا.
أدام الله على أصحاء كبارنا نعمة العافية، وأحاط مرضاهم بالرحمة والرعاية وجعل أعمارهم عامرة بالكرامة والطمأنينة والمحبة.
د. علي المبروك أبوقرين
