لم تغلق كامالا هاريس، نائبة الرئيس الأميركي السابقة والمرشحة الديمقراطية في انتخابات 2024، الباب أمام العودة إلى السباق الرئاسي في عام 2028، لكنها تتجنب في الوقت الراهن إعلان نواياها بصورة نهائية، مفضّلة التركيز على انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر 2026. وبينما تؤكد أن الوقت لم يحن بعد لاتخاذ قرار بشأن مستقبلها السياسي، تتزايد المؤشرات على أنها تعمل على الحفاظ على حضورها داخل الحزب الديمقراطي، في خطوة قد تمهّد لمحاولة رئاسية جديدة.

وتدرك هاريس أن الطريق إلى انتخابات 2028 لا يمرّ بالضرورة عبر إعلان مبكر عن الترشح، بل يبدأ باستعادة المبادرة داخل الحزب، والمساهمة في تعزيز حظوظ الديمقراطيين في الاستحقاق الانتخابي المقبل. فانتخابات التجديد النصفي لن تحدد فقط موازين القوى في الكونغرس، بل ستوفر أيضاً مؤشراً على اتجاهات الناخبين الأميركيين، وعلى قدرة الحزب الديمقراطي على استعادة ثقة قطاعات من الرأي العام بعد خسارته الانتخابات الرئاسية لعام 2024.

وفي هذا السياق، شددت هاريس، خلال فعالية للجمعية الوطنية للنهوض بالملونين في ولاية ميشيغان الشهر الماضي، على أولوية الاستحقاق المقبل، قائلة: «أؤمن حقاً بأن عام 2028 لن تكون له أهمية إذا لم نتجاوز عام 2026». ويعكس هذا التصريح محاولة لربط طموحاتها السياسية بمستقبل الحزب، بدلاً من تحويل تحركاتها الحالية إلى حملة رئاسية مبكرة قد تثير الانقسامات داخل صفوف الديمقراطيين.

غير أن إبقاء قرار الترشح معلقاً لا يعني غياب التحركات العملية. فبحسب تقارير صحفية أميركية، من بينها تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، تجري هاريس اتصالات مع كبار المانحين الديمقراطيين، وتعمل على تعزيز فريقها من خلال تعيين موظفين جدد، فضلاً عن التحرك في عدد من الولايات المتأرجحة لدعم مرشحي الحزب. وتشمل هذه التحركات ميشيغان ونيفادا وجورجيا، وهي ولايات تكتسب أهمية خاصة في الحسابات الانتخابية الأميركية، نظراً إلى دورها في تحديد نتائج السباقات المتقاربة.

وتحمل هذه الأنشطة أكثر من دلالة؛ فهي من جهة تعكس استمرار انخراط هاريس في الحياة السياسية، ومن جهة أخرى تتيح لها اختبار مدى احتفاظها بشبكة الدعم المالي والتنظيمي التي تحتاج إليها أي حملة رئاسية. كما تمنحها فرصة للتواصل مع الناخبين والقيادات المحلية، وإعادة بناء صورتها السياسية بعد تجربة انتخابات 2024، التي انتهت بخسارتها أمام دونالد ترامب.

لكن أي محاولة للعودة لن تكون بالضرورة سهلة. فالحزب الديمقراطي قد يشهد منافسة قوية على ترشيحه في 2028، في ظل احتمال بروز شخصيات جديدة تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها قادرة على تجديد الخطاب السياسي للحزب وتوسيع قاعدته الانتخابية. وستكون هاريس مطالبة، في حال قررت الترشح، بالإجابة عن أسئلة تتعلق بأسباب خسارتها السابقة، وقدرتها على استقطاب الناخبين المترددين، وصياغة برنامج سياسي ينسجم مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها الولايات المتحدة.

ولا تقتصر التحفظات على الحسابات الحزبية والانتخابية، إذ تشير التقارير نفسها إلى وجود تباين في وجهات النظر داخل محيطها العائلي. فقد أفادت «وول ستريت جورنال» بأن زوجها، دوغ إمهوف، عبّر سراً عن تفضيله عدم خوضها السباق الرئاسي مجدداً، بعد سنوات من الحملات الانتخابية وما رافقها من ضغوط نفسية وإرهاق وتدقيق إعلامي مكثف. ومع ذلك، لا يشكل هذا الموقف، وفق المعطيات المتاحة، دليلاً على أن هاريس حسمت قرارها بالابتعاد عن المنافسة.

وبين حسابات الطموح الشخصي ومتطلبات إعادة بناء القوة داخل الحزب الديمقراطي، تبدو هاريس وكأنها تفضّل الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الخيارات، من دون الدخول في مواجهة مبكرة مع منافسين محتملين. فالترشح في 2028 يظل احتمالاً قائماً، لكنه سيعتمد على نتائج انتخابات 2026، وعلى قدرتها على الحفاظ على دعم المانحين والقيادات الحزبية والناخبين، فضلاً عن طبيعة المنافسة التي ستتشكل داخل الحزب خلال العامين المقبلين.

وفي المحصلة، لا يتعلق الأمر بمجرد إعلان مؤجل عن الترشح، بل بمعركة سياسية طويلة لاختبار فرص العودة إلى واجهة المشهد الأميركي. وقد تكون انتخابات نوفمبر 2026 المحطة التي تمنح هاريس فرصة جديدة لتعزيز موقعها، أو تكشف، في المقابل، عن محدودية قدرتها على استعادة الزخم. وحتى ذلك الحين، ستظل رسالتها واضحة: لا قرار نهائياً بشأن 2028، لكن الاستعدادات السياسية لا تنتظر بالضرورة الإعلان الرسمي.

شمس اليوم نيوز