هناك مرضى يخرجون من المستشفى لكنهم لا يخرجون من المرض ويخرجون من السرير الطبي إلى سرير آخر في المنزل، ومن رعاية مؤسسة يفترض أن تكون مسؤولة عنهم إلى رعاية أسرة لا تملك في كثير من الأحيان لا المعرفة ولا المال ولا الأدوات ولا القدرة على الاستمرار. 

وهنا تبدأ واحدة من أكثر المآسي الصحية والاجتماعية في ليبيا وهي المريض الذي يغادر المستشفى يغادر معه النظام الصحي. وليبيا عاشت أكثر من عقد ونصف من النزاعات والحروب والإرهاب والاضطرابات، وخلفت وراءها قتلى وجرحى وإعاقات جسدية ونفسية وإصابات عصبية وحالات فقدان للأطراف والعجز الوظيفي، إلى جانب عبء متزايد من الأمراض المزمنة والجلطات الدماغية والأورام وأمراض الأعصاب والزهايمر والشيخوخة والحالات الخلقية والمتلازمات والأمراض التي تجعل الإنسان محتاجاً إلى الرعاية لفترات طويلة أو مدى الحياة. هؤلاء لا يحتاجون إلى المستشفى طوال الوقت لكنهم يحتاجون إلى نظام صحي طوال الوقت. وهنا يجب أن تتغير النظرة. 

فالرعاية الصحية المنزلية ليست ممرضاً يأتي أحياناً لإعطاء حقنة، وليست زيارة عابرة لتغيير ضماد، وليست خدمة خيرية تقدمها جمعية عندما تتوفر لها الإمكانات. إنها منظومة طبية وصحية وتأهيلية واجتماعية متكاملة، لأن بعض المرضى يحتاجون إلى طبيب وممرض وعلاج طبيعي وعلاج وظيفي ونطق وتخاطب ورعاية نفسية واجتماعية ورعاية تلطيفية، إلى جانب الأدوية والفحوصات والأجهزة والمستلزمات الطبية والتعويضية ووسائل الحركة والنقل الطبي وتعديل البيئة المنزلية بما يتناسب مع حالتهم. 

والمريض المقعد يحتاج إلى أكثر من دواء. والمصاب بجلطة دماغية يحتاج إلى أكثر من وصفة وبرنامج علاجي، ومريض الأورام المتقدمة يحتاج إلى أكثر من موعد في العيادة. 

والمسن طريح الفراش يحتاج إلى أكثر من نصيحة. والطفل ذو الإعاقة الخلقية يحتاج إلى أكثر من خطة رعاية. 

وكل واحد منهم يحتاج إلى منظومة. والأخطر أن هذه المنظومة غير موجودة، بينما تتحول الأسرة إلى خط الدفاع الأخير. تتحمل تكلفة الأجهزة والدواء والنقل والحفاضات والمستلزمات والعلاج الطبيعي والرعاية اليومية وقد يضطر أحد أفرادها إلى ترك عمله ليتفرغ للمريض. وهنا تقع المأساة مرتين الأولى المريض يدفع ثمن مرضه من جسده، والتانية الأسرة تدفع ثمن المرض من دخلها وحياتها ومستقبلها. وهذا غير مقبول في دولة يفترض أن الصحة فيها حق وأن النظام الصحي مسؤولية عامة. فالأسرة ليست مستشفى وليست مؤسسة تأهيل ولا شركة تمريض، وليست بديلاً عن الدولة.

 والأسرة شريك أساسي في الرعاية ولكن الشريك يحتاج إلى الدعم والتدريب والحماية، لا إلى أن يُترك وحيداً أمام مرض قد يستمر سنوات أو طول العمر. 

ولهذا فإن الخدمات الصحية والطبية المنزلية يجب أن تصبح جزءاً أصيلاً من النظام الصحي الليبي وأن تتحول من المساعدات المتفرقة والحلول المؤقتة إن وجدت أصلًا إلى حق صحي واجتماعي منظم وممول ومستدام. ويجب أن يكون لكل حالة تقييم طبي واجتماعي يحدد احتياجاتها وأن توفر الدولة ما يلزم وفق درجة الاحتياج للرعاية التمريضية والزيارات الطبية والعلاج والتأهيل والرعاية التلطيفية والأدوية والأجهزة المساعدة والأطراف التعويضية والكراسي المتحركة الأسرة الطبية ومستلزمات الرعاية والفحوصات المنزلية والنقل الطبي والدعم المالي والنفسي والاجتماعي وتهيئة المنزل عندما تكون البيئة المنزلية نفسها عائقاً أمام حياة المريض. والأمر هنا لا يتعلق بالكرم والمنة إنما يتعلق بالعدالة والحق.

 فالذي يستطيع الحركة يصل إلى المركز الصحي والذي لا يستطيع يجب أن يصل إليه النظام الصحي. والذي لا يستطيع شراء جهازه لا يجوز أن يحكم عليه الفقر بمزيد من العجز. والذي يحتاج إلى الرعاية لا ينبغي أن ينتظر حتى تنهار أسرته مالياً ونفسياً حتى تتذكره الدولة. والمرض لا ينتهي عند الخروج من المستشفى، والإعاقة لا تنتهي بانتهاء العملية، والجلطة لا تنتهي بانتهاء الإقامة والسرطان لا ينتهي بانتهاء جلسة العلاج، والشيخوخة لا يمكن علاجها بوصفة. 

هناك حياة كاملة تبدأ بعد ذلك وفي قلب هذه الحياة يوجد منزل قد يتحول إلى مستشفى صغير، وأم أو أب أو زوجة أو ابن قد يتحول إلى مقدم رعاية على مدار الساعة، من دون راتب ومن دون تدريب ومن دون إجازة ومن دون نظام يسنده. وهذه ليست مسؤولية الأسرة وحدها إنما هي مسؤولية النظام الصحي والدولة. 

ولذلك فإن ليبيا بحاجة عاجلة إلى برنامج وطني للرعاية والإعانة الصحية والطبية المنزلية يرتبط بالرعاية الصحية الأولية والمستشفيات وإعادة التأهيل والحماية الاجتماعية، ويضمن استمرارية الرعاية من المؤسسة الصحية إلى المنزل، ويمنع أن يتحول المرض إلى فقر، والإعاقة إلى عزلة والشيخوخة إلى عبء والعجز إلى مأساة صامتة. 

فالمواطن لا يفقد حقه في الصحة عندما يصبح عاجزاً عن الذهاب إلى المستشفى. إنما ربما في اللحظة التي يعجز فيها عن الذهاب يبدأ الاختبار الحقيقي للنظام الصحي. والدولة التي تصل إلى المواطن وهو في أضعف حالاته وتضع الطبيب والممرض والتأهيل والدواء والجهاز والدعم إلى جواره لا تكون قد قدمت إعانة. 

إنها تكون قد أدت واجبها ووظيفتها الأساسية. لأن الصحة التي لا تصل إلى منزل المريض ليست صحة مكتملة والنظام الذي لا يرى المريض بعد خروجه من المستشفى لم يرى المريض أصلاً بالمعنى الحقيقي. أما النظام الصحي الذي يرى الإنسان قبل المرض وبعده ووسطه وداخل المستشفى وخارجه فهو وحده الذي يستحق أن يسمى نظاماً صحياً وطنياً.

 وللعلم الآلاف من مرضانا في البيوت يعانون نقص الخدمات ونقص الدواء والإمكانات الصحية والطبية والتعويضية والالاف من الأسر تستنزف على مدار الساعة نفسيا وماليا وجسديا ومعنويا. وللضرورة القصوى التحرك العاجل واتخاذ ما يلزم تجاههم...


د.علي المبروك أبوقرين