لا تكمن خطورة قضية الفتاة يقين، وفق ما هو متداول من معطيات، في فظاعة الاعتداء الذي تعرضت له فحسب، وإنما في الأسئلة التي تفرضها حول قدرة المجتمع ومؤسساته على حماية الأطفال قبل أن يتحول الخطر إلى جريمة.
فحين يكون الضحية طفلاً أو مراهقاً، ويكون بعض المتهمين بدورهم قصّراً، فإن المسألة تتجاوز حدود البحث عن عقوبة أشد أو حكم أكثر صرامة، لتضع المنظومة القانونية والاجتماعية أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن حماية الضحية وتحقيق العدالة، من دون إغفال أن القانون يتعامل أيضاً مع مرتكبي الأفعال القُصّر باعتبارهم أطفالاً يحتاجون إلى المساءلة والإصلاح وإعادة الإدماج؟
القانون لا ينظر إلى القاصر باعتباره راشداً
تقوم عدالة الأحداث على مبدأ أساسي مفاده أن الطفل الذي يرتكب فعلاً مجرّماً لا يُعامل بالضرورة بالطريقة نفسها التي يُعامل بها الشخص الراشد. فسنّه، ودرجة إدراكه، وظروفه الاجتماعية والتربوية، وشخصيته، ومدى قابليته للإصلاح، كلها عناصر تدخل في تحديد كيفية مساءلته.
وتكرّس مجلة حماية الطفل هذا التوجه من خلال إخضاع الأطفال المخالفين للقانون لنظام خاص يختلف عن النظام الجزائي المطبق على الراشدين، بما في ذلك إمكانية تجنيح بعض الجنايات المرتكبة من قبل الأطفال وفق الشروط التي يحددها القانون.
لكن خصوصية عدالة الأحداث لا تعني إلغاء المسؤولية، كما أن حماية الطفل الجانح لا ينبغي أن تُفهم بمعزل عن حماية الطفل الضحية. وهنا تحديداً تبرز صعوبة هذا النوع من الملفات، حيث يمكن أن تتقاطع في القضية الواحدة حاجتان متلازمتان: حماية طفل تعرض للاعتداء، والتعامل مع طفل آخر ارتكب فعلاً بالغ الخطورة.
من المسؤول عن الوقاية قبل وصول القضية إلى القضاء؟
السؤال القانوني لا ينبغي أن يبدأ لحظة وقوع الجريمة وينتهي بصدور الحكم. فالجريمة الجنسية ضد طفل غالباً ما تكون مسبوقة بمؤشرات أو ظروف أو بيئات تسمح بحدوثها، وهو ما يجعل الوقاية جزءاً أساسياً من العدالة.
وهنا تتوزع المسؤولية بين الأسرة، والمؤسسة التربوية، ومؤسسات الطفولة، والسلطات المختصة، والمجتمع ككل. فحماية الطفل لا يمكن أن تكون مهمة جهاز أمني أو قضائي وحده، وإنما هي منظومة متكاملة تبدأ بالتوعية والكشف المبكر عن حالات الخطر، وتمتد إلى التدخل عند ظهور مؤشرات العنف أو الاستغلال أو الانحراف السلوكي.
كما أن البيئة الرقمية فرضت تحديات جديدة على منظومة الحماية، بعدما أصبح الأطفال والمراهقون أكثر عرضة للاستدراج والابتزاز والتأثير من خلال شبكات التواصل والمنصات الرقمية. ولذلك فإن حماية الطفولة اليوم لم تعد مرتبطة فقط بالفضاء العائلي أو المدرسي، بل تشمل أيضاً الفضاء الإلكتروني الذي أصبح جزءاً من الحياة اليومية للأطفال.
الضحية ليست مجرد ملف قضائي
في مثل هذه القضايا، لا تنتهي معاناة الضحية بمجرد إيقاف المتهمين أو إحالتهم على القضاء. فالاعتداءات الجنسية، وخاصة عندما تقترن بالعنف والإكراه، قد تترك آثاراً نفسية واجتماعية وصحية طويلة الأمد.
ومن ثم، فإن حماية الضحية تقتضي توفير رعاية متخصصة وسريعة، تشمل الجانب الطبي والنفسي والاجتماعي، مع احترام خصوصية الطفل ومنع إعادة تعريضه للأذى خلال مراحل البحث والتحقيق والمحاكمة.
كما أن التعامل الإعلامي والاجتماعي مع مثل هذه القضايا يفرض قدراً كبيراً من المسؤولية، خصوصاً في ما يتعلق بهوية الضحية، والمعطيات الشخصية، والتفاصيل التي يمكن أن تزيد من معاناتها أو تؤثر في حياتها المستقبلية.
وماذا عن الأطفال المتورطين؟
الجانب الآخر من القضية لا يقل أهمية. فوجود قُصّر بين المتهمين يفرض طرح سؤال مختلف: ما الذي يدفع طفلاً أو مراهقاً إلى ارتكاب أفعال بهذه الخطورة؟
لا يمكن اختزال الإجابة في عامل واحد، كما لا يجوز تحويل الظروف الاجتماعية أو الأسرية إلى مبرر للجريمة. لكن فهم البيئة التي نشأ فيها الطفل، وأنماط العنف التي تعرض لها، وطبيعة علاقاته، وتأثير المحتوى الرقمي عليه، ومساره الدراسي والاجتماعي، كلها عناصر يمكن أن تساعد على فهم أسباب السلوك الإجرامي والتدخل لمنع تكراره.
وهنا تظهر وظيفة عدالة الأحداث باعتبارها لا تقتصر على العقاب، بل تشمل الإصلاح وإعادة التأهيل وإعادة الإدماج، مع ضرورة أن تكون هذه المقاربة متناسبة مع خطورة الأفعال المرتكبة ومع حقوق الضحية والمجتمع.
القضية تكشف حاجة إلى مراجعة أوسع
لذلك فإن الجدل الذي أثارته قضية يقين لا ينبغي أن يتحول إلى نقاش حول رفع العقوبات فقط. فحتى أشد العقوبات لا تمنع الجريمة إذا كانت آليات الوقاية ضعيفة، وإذا لم يتم اكتشاف حالات الخطر في الوقت المناسب، وإذا لم تكن المؤسسات قادرة على التدخل المبكر.
المطلوب هو تقييم المنظومة بكامل حلقاتها: من الوقاية والتوعية، إلى حماية الأطفال المعرضين للخطر، والتدخل الاجتماعي والنفسي، وصولاً إلى البحث القضائي والمحاكمة والتكفل بالضحايا ومتابعة الأطفال المخالفين للقانون بعد انتهاء الإجراءات.
كما أن الوقاية تقتضي تعزيز التربية على الحدود الشخصية، واحترام الجسد، والتعامل الآمن مع الإنترنت، والإبلاغ عن حالات الاستدراج أو التهديد، مع توفير قنوات واضحة وآمنة للأطفال لطلب المساعدة.
العدالة تبدأ قبل المحكمة
قضية يقين، بعيداً عن تفاصيلها التي تبقى من اختصاص الأبحاث والتحقيقات والقضاء، تضع المجتمع أمام سؤال أعمق من تحديد العقوبة: هل نملك منظومة قادرة على اكتشاف الخطر قبل وقوع الجريمة؟
فالعدالة في قضايا الاعتداء على الأطفال لا تبدأ من قاعة المحكمة فقط، وإنما تبدأ من الأسرة والمدرسة والشارع والفضاء الرقمي ومؤسسات حماية الطفولة. وتكتمل عندما يجد الضحية الحماية والرعاية والإنصاف، وعندما تتم مساءلة مرتكب الجريمة وفق القانون، وعندما تتوفر في الوقت نفسه آليات تمنع إعادة إنتاج السلوك الإجرامي.
وفي النهاية، فإن حماية الأطفال لا تُقاس فقط بعدد الأحكام الصادرة في قضايا الاعتداء، وإنما بقدرة المجتمع على تقليص فرص وقوع هذه الجرائم، والتدخل قبل تفاقم الخطر، وحماية الضحايا، ومعالجة الأسباب التي قد تدفع بعض القُصّر إلى الانخراط في سلوكيات إجرامية خطيرة.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط مع الجريمة بعد وقوعها، بل مع الظروف التي تجعل وقوعها ممكناً.
شمس اليوم نيوز
