في ليبيا حيث النفط ثروة وطنية وحيث يفترض أن تكون الدولة قادرة على حماية مواطنيها من الفقر والمرض والحاجة، تحولت فاتورة العلاج إلى عبء ثقيل يطارد المريض في أكثر لحظات حياته ضعفا، ويطرق أبواب أسرته من كل اتجاه، حتى أصبح المرض في كثير من الأحيان لا يعني الألم وحده إنما يعني استنزاف الدخل والمدخرات وبيع الممتلكات والاستدانة، وربما الوصول إلى الإفلاس والفقر. يدفع المواطن البسيط ثمن الكشف وثمن التحاليل والفحوصات والتصوير والتشخيص وثمن الدواء، وتستمر الفاتورة بلا نهاية حين يكون المرض مزمنا أو مزمنا ومتطورا، كالسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والغدد والأمراض المناعية والعصبية والنفسية والمتلازمات والأورام والأمراض النادرة والجينية، حيث لا يكون العلاج زيارة عابرة إلى طبيب إنما رحلة طويلة قد تمتد سنوات أو ترافق الإنسان طوال حياته. وتصبح المأساة أكثر قسوة حين يكون المريض عاطلا عن العمل أو متقاعدا أو موظفا محدود الدخل أو من الفئات التي يفترض أن تكون تحت مظلة الحماية الاجتماعية، بينما تراجعت قدرة المرافق الصحية العامة على توفير الدواء والفحوصات والخدمات الأساسية، فأصبح المريض مضطرا إلى شراء دوائه من الصيدلية الخاصة، ودفع قيمة الكشف في العيادات والمصحات، وإجراء تحاليله في المختبرات الخاصة، وفحوصاته التشخيصية في المراكز الخاصة، حتى صار المرض مشروعا اقتصاديا مفتوحا على حساب الإنسان. وهنا لا تعود القضية قضية دواء أو كشف أو تحليل، إنما هي قضية عدالة اجتماعية وحق أصيل وكرامة وطن. فالصحة ليست سلعة يتحدد الحصول عليها بحجم الراتب، وليست خدمة كمالية يستطيع الغني شراءها ويعجز الفقير عنها، وليست فرصة للمتاجرة بمعاناة المرضى. الصحة حق أصيل والدولة التي تملك الموارد والقدرة والولاية العامة لا يجوز أن تترك مواطنها وحيدا أمام فاتورة مرض لا يستطيع دفعها. إن أخطر ما تفعله فاتورة العلاج أنها لا تأخذ المال فقط إنما تأخذ معه فرصة الشفاء. فعندما يعجز المريض عن شراء الدواء يبدأ بالبحث عن الأرخص، ثم عن البديل الأقل جودة، ثم يقلل الجرعات، ثم يؤجل الفحوصات ويتوقف عن المتابعة، وقد يصل في النهاية إلى المستشفى بحالة أكثر تعقيدا وتكلفة وخطورة. وهكذا يتحول العجز عن دفع فاتورة العلاج إلى مرض أشد، وإلى إعاقة وفقدان القدرة على العمل، وقد ينتهي الأمر بالموت. إنها دائرة قاسية يصبح فيها الفقر سببا للمرض ويصبح المرض سببا للفقر. ولهذا يجب أن يتوقف هذا النزيف فورا. ويجب أن تعود الدولة إلى وظيفتها الأساسية في حماية الإنسان وأن تكون الأدوية والمستلزمات والفحوصات والخدمات التشخيصية والعلاجية للأمراض المزمنة والمناعية والعصبية والنفسية والأورام والأمراض النادرة والجينية، وكذلك لكبار السن والمتقاعدين والعاطلين عن العمل والفئات الهشة، متاحة مجانا عبر مرافق صحية عامة قادرة ومنظمة وليس عبر الوعود ولا عبر المسكنات الإدارية. ويجب أن يرتبط ذلك بمنظومة وطنية حديثة للسجلات الصحية الإلكترونية وبطاقات صرف دوائي ومنظومات إلكترونية تضمن وصول العلاج إلى مستحقه، وتمنع الهدر والتسرب والتلاعب، وتربط التشخيص بالوصفة والمتابعة والصرف، مع بروتوكولات علاجية وطنية ومراجعة علمية وتدقيق طبي ورقابة مهنية صارمة على العيادات والمصحات والمختبرات ومراكز التشخيص والصيدليات، حتى لا تتحول حاجة المريض إلى مجال للاستغلال أو الإفراط في الفحوصات والإجراءات التي لا تضيف قيمة حقيقية إلى علاجه. إن حماية المواطن من فاتورة المرض ليست منة من الدولة إنما واجبها الأول والأخير، وحماية الفقير من أن يتحول مرضه إلى فقر ليست سياسة اجتماعية ثانوية إنها أساس العدالة. والدولة التي تعجز عن حماية مدخرات مواطنيها من المرض تعجز عن حماية ثروتها الوطنية من الهدر، لأن ما يدفعه الليبي من جيبه لعلاج كان ينبغي أن توفره الدولة ليس مجرد مال يخرج من أسرة إنه ثروة وطنية تستنزف خارج النظام الصحي بلا تخطيط ولا عدالة. لقد آن الأوان أن تتوقف فاتورة العلاج عن كونها فاتورة يدفعها المريض من قوته وكرامته ومستقبل أسرته. العلاج حق والدواء حق والتشخيص حق والمتابعة حق وحماية الإنسان من الفقر بسبب المرض حق. وفي دولة نفطية ميسورة الموارد لا ينبغي أن يكون السؤال عن قدرة المريض على الدفع إنما عن قدرة الدولة على الوفاء بواجبها. فحين يصبح المال شرطا للدواء يصبح الفقر مرضا، وحين يصبح المرض طريقا إلى الإفلاس تكون الدولة قد تركت المواطن وحيدا أمام المرض وتركت المرض يتحول إلى فاتورة أخرى يدفعها الوطن من إنسانه ومستقبله.


د.علي المبروك أبوقرين