المياه المعلبة الشجرة التي تحجب الغاب.....


أثار الجدل حول المياه المعلّبة في تونس أسئلة مشروعة تتعلق بشفافية التراخيص، والكميات المستخرجة، وحماية الموائد المائية والينابيع، والمقابل المالي لاستغلال الموارد العمومية، فضلاً عن الأثر البيئي المتزايد للقوارير البلاستيكية.

وتؤكد الخبيرة في الأمن المائي، روضة قفراش، أن هذه القضايا تستحق نقاشاً جدياً ورقابة صارمة. غير أن اختزال الأزمة المائية في تونس في قطاع المياه المعلّبة، أو تقديمه باعتباره السبب الرئيسي للأزمة، يظل، بحسب تقديرها، خلطاً بين قضية مهمة وأزمة أعمق وأكثر تعقيداً.

وتضع الأرقام المسألة في حجمها الحقيقي. فوفق التقرير الوطني لقطاع المياه لسنة 2024، بلغ استهلاك المياه المعلّبة نحو 3 ملايين متر مكعب، أي ما يعادل حوالي 3 مليارات لتر، أو بمعدل حسابي يناهز 0.67 لتر للفرد يومياً.

ففي المقابل، بلغ الاستهلاك عبر شبكة الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه «الصوناد» 527 مليون متر مكعب خلال السنة نفسها، أي ما يعادل نحو 123 لتراً للفرد يومياً لمختلف الاستعمالات.

وبذلك، لا تمثل المياه المعلّبة سوى نحو 0.57 بالمائة من حجم المياه المستهلكة عبر شبكة الصوناد وحدها، من دون احتساب منظومات التزود بالمياه في المناطق الريفية.

ولا يعني ذلك أن هذه الكميات غير مهمة. ففي بلد يعاني من ندرة متزايدة في موارده المائية، يستحق كل متر مكعب المتابعة والمراقبة. 

لكن من الضروري التمييز بين المطالبة بالشفافية والرقابة الصارمة على استغلال مورد عمومي، وبين تحميل قطاع محدود الحجم مسؤولية أزمة مائية وطنية.

فأزمة المياه في تونس هي في جوهرها أزمة هيكلية ومعقدة، ترتبط بندرة الموارد والتغيرات المناخية والاستغلال المفرط للموائد المائية، إلى جانب الضغط المتزايد على الطلب، خصوصاً في القطاع الفلاحي. 

كما تتصل بتقادم جزء من البنية التحتية، والخسائر المسجلة في الشبكات، والحاجة إلى استثمارات أكبر وحوكمة أكثر نجاعة.

في المقابل، تمتلك تونس مكسباً مهماً يتمثل في بلوغ نسبة التزود بمياه الشرب نحو 98.5 بالمائة. ولذلك لم يعد التحدي الأساسي يتمثل في بناء شبكات جديدة بقدر ما يتعلق بالمحافظة على الشبكات القائمة وتجديدها، وتحديث العدادات، وتعزيز الصيانة والرقمنة.

ان السؤال الأهم بالنسبة إلى المواطن بسيطاً ومباشراً هل تصل إليه مياه صالحة للشرب بصفة منتظمة؟ وهل يثق فعلاً في جودتها؟

فالإقبال على المياه المعلّبة لا يمكن تفسيره بعامل واحد. إذ تتداخل اعتبارات المذاق والملوحة والعادات الاستهلاكية وسهولة الاستخدام، فضلاً عن الاستهلاك المرتبط بالسياحة والمطاعم والمقاهي. غير أن الثقة في ماء الحنفية تظل عاملاً أساسياً في هذه المعادلة.

ولهذا، تبرز الحاجة إلى مزيد من الشفافية في ما يتعلق بنتائج مراقبة جودة مياه الشرب، من خلال نشرها بصفة دورية وسهلة الوصول، حسب المناطق، مع بيان الإخلالات المسجلة والإجراءات المتخذة لمعالجتها. فالثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمراقبة والشفافية وإتاحة المعلومة.

كما أن الأرقام لا تسمح بالقول إن التونسيين تخلوا جميعاً عن ماء الحنفية. فإذا افترضنا أن حاجة الفرد اليومية من مياه الشرب تبلغ لترين، فإن 3 مليارات لتر من المياه المعلّبة تكفي، نظرياً، لتغطية احتياجات نحو 4.1 ملايين شخص، أي ما يقارب 34 بالمائة فقط من سكان البلاد.

وحتى هذه النسبة تظل حداً نظرياً أقصى، باعتبار أن جزءاً من هذه الكميات يستهلكه السياح والفنادق والمطاعم والمؤسسات، وليس الأسر التونسية وحدها.

إن معرفة شروط استغلال المياه المخصصة للتعبئة، والكميات المستخرجة فعلياً، وضمان حماية الينابيع والموائد المائية، ومراقبة الأثر البيئي للقوارير البلاستيكية، كلها مطالب مشروعة وضرورية.

لكن، مع 3 ملايين متر مكعب من المياه المعلّبة مقابل 527 مليون متر مكعب مستهلكة عبر شبكة الصوناد وحدها، لا ينبغي أن تتحول المياه المعلّبة إلى الشجرة التي تحجب الغاب.

فالتحدي الحقيقي يكمن في حماية مورد مائي يزداد ندرة، وتحسين إدارة مختلف الاستعمالات، وتحديث البنية التحتية، وتقليص الخسائر، وضمان خدمة عمومية فعالة وموثوقة.

والهدف في النهاية بسيط وواضح أن يفتح كل تونسي حنفيته، فيجد الماء بصفة منتظمة، ويثق في جودته.

عندها فقط تصبح المياه المعلّبة خياراً استهلاكياً، لا بديلاً عن خدمة عمومية يفترض أن تكون محل ثقة الجميع.


شمس اليوم نيوز