تكتسي إعادة هيكلة الديوان السياسي للحزب الدستوري الحر أبعاداً سياسية وتنظيمية تتجاوز مجرد إعادة توزيع المسؤوليات، إذ تبدو مرتبطة بإعادة ترتيب البيت الداخلي والاستعداد لمحطة «مؤتمر الوفاء» وما ستفرزه من خيارات وقيادات وتوجهات للمرحلة المقبلة. وتأتي هذه الخطوة في سياق سعي الحزب إلى الانتقال من إدارة الملفات بصورة ظرفية إلى بناء آليات عمل أكثر انتظاماً ومأسسة، من خلال تثبيت قيادة تنفيذية واضحة وتوزيع المهام وفق الاختصاص، بما يضمن مزيداً من النجاعة في اتخاذ القرار ومتابعة الملفات والتنسيق بين مختلف الهياكل والقواعد.
ويبرز هذا التوجه من خلال إسناد ملفات نوعية تتصل بالشباب والمرأة والمجتمع المدني والتوثيق والإحصاء، إلى جانب تعزيز الحضور في الفضاء الرقمي ودعم التعبئة الميدانية، وهي مجالات باتت تمثل عناصر أساسية في العمل الحزبي المعاصر. فالرهان لا يقتصر على المحافظة على الحضور التنظيمي، بل يشمل أيضاً تجديد أدوات التواصل مع الناخبين والأنصار واستقطاب الفئات الشابة وتطوير الخطاب السياسي وتعزيز القدرة على الحضور في الفضاء العام، سواء عبر العمل الميداني أو المنصات الرقمية.
كما تعكس إعادة توزيع المسؤوليات محاولة لبناء هيكل حزبي أكثر تخصصاً وقدرة على التعامل مع الملفات المختلفة، خصوصاً في ظل مشهد سياسي متغير تفرض فيه التحولات الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية على الأحزاب مراجعة آليات اشتغالها وأدوات تواصلها. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة إيلاء أهمية للتوثيق والإحصاء باعتباره توجهاً نحو تنظيم المعطيات المتعلقة بالهياكل والمنخرطين والقواعد، بما يساعد على تحسين التخطيط واتخاذ القرار، في حين يمثل الاهتمام بالتعبئة الميدانية والفضاء الرقمي محاولة للجمع بين العمل التنظيمي التقليدي وأدوات السياسة والاتصال الحديثة.
وتحظى المرحلة التحضيرية للمؤتمر بأهمية خاصة، باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين القيادة والقواعد، وتوحيد الرؤى الداخلية، وحسم المسائل التنظيمية والسياسية التي ستشكل ملامح المرحلة القادمة. ومن المنتظر أن يكون المؤتمر محطة لإضفاء مزيد من الوضوح على الهيكلة الجديدة وتثبيت توزيع المسؤوليات، إلى جانب صياغة توجهات ولوائح تعكس أولويات الحزب وتحدد آليات عمله مستقبلاً.
وبذلك، تبدو إعادة هيكلة الديوان السياسي جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء الجاهزية السياسية والتنظيمية للحزب، ليس فقط استعداداً للمؤتمر، وإنما أيضاً لما بعده، حيث سيكون التحدي الأساسي في تحويل هذه الهيكلة إلى عمل ميداني فعلي، والمحافظة على تماسك القواعد، وتجديد الحضور السياسي والإعلامي، والاستعداد للاستحقاقات الوطنية المقبلة ضمن قيادة أكثر انسجاماً وهيكلة أكثر وضوحاً وفاعلية.
شمس اليوم نيوز
