أنا لا أطلب فرحًا كثيرًا، ولا أبحث عن حياةٍ بلا وجع، ولا أنتظر من الدنيا أن تعتذر عمّا فعلته بي... فقط مرّي بهدوء.

لم أعد ذلك الشخص الذي كان يركض خلف الأشياء، ويظن أن الوصول إليها هو معنى الحياة.

كبرتُ بما يكفي لأعرف أن بعض الأمنيات حين تتحقق لا تُسعدنا، وأن بعض الأشخاص حين نفقدهم لا يعوضهم ألف شخص، وأن هناك أشياء كثيرة كنا نظن أننا لا نستطيع العيش من دونها... ثم عشنا.

عشنا، نعم...

لكن ليس كما كنا.

هناك شيءٌ ما في داخلنا انكسر بصمت، ولم يسمع أحد صوت انكساره.

نحن الذين نضحك أمام الناس، ونجيب حين يسألوننا: «كيف حالك؟» بكلمةٍ قصيرة: «بخير»... بينما في أعماقنا حكاياتٌ طويلة من التعب لا يعرفها أحد.

نقول «أنا بخير» لأننا تعبنا من الشرح.

ولأن بعض الأوجاع إذا شرحتها للآخرين، بدت في أعينهم صغيرة، بينما هي في قلبك كانت جبلاً لا تستطيع حمله.

أنا لم أعد أريد أن أكون ذلك الشخص الذي يقف كل مرة بعد السقوط وكأن شيئًا لم يحدث.

نعم... سقطتُ كثيرًا.

لكنني في كل مرة كنت أنهض، كنت أترك شيئًا مني على الأرض.

مرةً تركتُ ثقتي.

ومرةً تركتُ جزءًا من قلبي.

ومرةً تركتُ حلمًا كنت أظنه سيبقى معي إلى النهاية.

ومراتٍ كثيرة تركتُ أشخاصًا كنت أظن أنهم لن يتركوني أبدًا.

حتى جاء يومٌ أدركت فيه أنني لا أنهض كما كنت...

بل أنهض أقلَّ مني.

أصبح الوقوف مؤلمًا، وأصبح السقوط أقلَّ رعبًا.

لم يعد يؤلمني أن تسقط الأشياء من يدي، بقدر ما يؤلمني أنني لم أعد أملك الرغبة في الانحناء لالتقاطها.

ومع ذلك... ما زلت واقفًا.

ليس لأنني أقوى من الجميع، بل لأنني تعبت من السقوط.

فأحيانًا لا يكون الوقوف بطولة...

بل يكون آخر ما تبقى للإنسان من كرامة.

يا أيامي القادمة...

لا تأتيني بالكثير.

لا أريد قصورًا، ولا أريد تصفيقًا، ولا أريد أن يعرفني العالم.

أريد صباحًا هادئًا...

وقلبًا لا يخاف من المساء.

أريد وجوهًا صادقة لا تضطرني إلى الحذر.

أريد يدًا إذا أمسكت بيدي ألا تتركني في منتصف الطريق.

أريد صديقًا لا يحتاج أن أسقط حتى يعرف قيمتي.

أريد وطن.لا اشعر فيه أنني غريبًا.

أريد ضحكةً تخرج من القلب، لا تلك التي نرتديها أمام الناس كي لا يسألونا عن وجعنا.

أريد أن أمرَّ ببقية عمري دون أن أضطر كل ليلة إلى جمع شتات نفسي.والبكاء على ضياع وطنى

لقد أعطيتُ كثيرًا...

أعطيت من قلبي حتى أصبح قلبي أحيانًا خاليًا إلا من التعب.

سامحت كثيرًا، ليس لأنهم كانوا يستحقون السماح دائمًا، وإنما لأنني كنت أريد أن أنام وقلبي خفيف.

تعلمت أن المسامحة ليست دائمًا عودةً إلى الأشخاص، بل أحيانًا هي أن تتركهم خلفك وتمضي دون حقد.

وتعلمت أن بعض الأبواب حين تُغلق في وجوهنا لا تكون خسارة...

بل تكون رحمةً لم نفهمها إلا بعد سنوات.

وتعلمت أن الحنين كاذب أحيانًا؛ يجعلنا نتذكر اللحظات الجميلة وينسينا لماذا رحلنا.

وأن الإنسان لا يشتاق دائمًا إلى الشخص نفسه، بل يشتاق إلى نسخته القديمة وهو معه.

وهذه هي الحقيقة الأكثر وجعًا...

نحن لا نبكي دائمًا على الذين رحلوا،

بل نبكي على أنفسنا التي كانت معهم.

على قلوبنا التي كانت أكثر براءة.

على ضحكاتنا التي كانت بلا حساب.

على ثقتنا التي لم تكن تعرف الخوف.

على ذلك الإنسان الذي كنّاه قبل أن تعلمنا الحياة كيف نكون أكثر حذرًا وأقل كلامًا وأكثر وحدة.

ومع ذلك...

لن أكره الحياة.

فقد علمتني الحياة، رغم قسوتها، أن أقدّر الأشياء الصغيرة.

فنجان قهوة في صباح هادئ...

رسالة من شخص نحبه...

صوت إنسان غاب طويلًا ثم عاد...

دعاء من أم...

حضن صادق...

جلسة مع شخص لا نحتاج أمامه إلى ارتداء الأقنعة...

أشياء بسيطة جدًا، لكنها حين يثقل العمر تصبح أثمن من كل شيء.

لذلك، يا أيامي المتبقية...

مرّي بسلام.

لا أريد منك أن تعوضيني عن كل ما مضى، فقد تعلمت أن بعض الأشياء لا تُعوّض.

فقط لا تأخذي مني المزيد.

اتركي لي وطنى

اتركي لي قلبي.

اتركي لي بعض الصحة، وبعض الطمأنينة، وبعض الأشخاص الذين أحبهم دون خوف من الفقد.

وإذا كان لا بد من الوجع...

فاجعليه خفيفًا.

وإذا كان لا بد من الرحيل...

فاجعليه رحيلًا بلا غدر.

وإذا كان لا بد من الفراق...

فلا تجعلي آخر ما بيننا كلمةً جارحة أو موقفًا نندم عليه العمر كله.

وإذا كان لا بد من البكاء...

فامنحيني بعده قلبًا يستطيع أن يبتسم.

فأنا لم أعد أطلب من الدنيا أن تكون عادلة.

يكفيني أن تكون رحيمة.

لقد مرَّ من العمر ما يكفي لأعرف أن الإنسان لا يحتاج في نهايات الطريق إلى كثرة الأشياء، بل إلى قلة الوجع.

لا يحتاج إلى مئات الوجوه، بل إلى وجهٍ واحد يستطيع أن يقول له:

«أنا هنا... لا تخف.»

ولا يحتاج إلى جمهورٍ يصفق له، بل إلى شخصٍ واحد يجلس بجانبه حين تنطفئ الأضواء، دون أن يسأله لماذا تغيرت.

أما أنا...

فسأكمل الطريق.

بما تبقى مني.

سأمشي بهدوء، دون ضجيج، ودون رغبة في إثبات شيء لأحد.

ومن أراد أن يبقى... فليبقَ بصدق.

ومن أراد الرحيل... فليذهب بسلام.

لم يعد في العمر متسعٌ للعتاب الطويل، ولا للخصومات، ولا للقلوب التي تأتي محمّلةً بالشروط.

لقد أصبحنا في مرحلةٍ من العمر نريد فيها أن نحب بلا خوف، ونعيش بلا حساب، وننام دون أن نحمل إلى وسادتنا وجوه الذين خذلونا.

إلى أيامي المتبقية...

مرّي بي كما يمر النسيم على وجه إنسانٍ أتعبته الحياة.

لا توقظي جروحي القديمة.

لا تعيديني إلى الأماكن التي دفنت فيها شيئًا من قلبي.

لا تختبريني أكثر مما احتملت.

تعالي هادئة...

فأنا لم يعد لديّ شيء لأخسره.

وإن كان بقي لي في هذه الحياة شيء جميل، فليكن بسيطًا...

قلبٌ مطمئن، ووجهٌ أحبه، وبيتٌ آمن، وصباحٌ لا أخاف منه، وليلةٌ أنام فيها دون أن أحارب ذكرياتي.

أما ما مضى...

فقد سامحته.

وأما من أوجعني...

فقد تركته لله.

وأما الذين رحلوا...

فليتهم يعرفون أن بعض الغياب لا ينتهي، وأن هناك أشخاصًا يغادرون أجسادنا وحياتنا، لكنهم يظلون يسكنون في زاويةٍ لا يصل إليها النسيان...امى اولهم وابي احدهم....

وأما أنا...

فسأحاول أن أكون بخير.

ليس لأنني نسيت...

بل لأنني تعبت من الحزن.

وسأبتسم...

ليس لأن الحياة أصبحت أجمل،

بل لأنني أخيرًا فهمت أن ما تبقى من العمر أغلى من أن أنفقه في البكاء على ما مضى.

إلى أيامي المتبقية... مرّي بسلام.

فأنا لا أريد منك الكثير...

أريد فقط أن أصل إلى نهايتي، وأنا ما زلت قادرًا على الكتابه والقول.. 

رغم كل شيء... كان في هذه الحياة ما يستحق أن أُحبّه.....اعنى واقصد وطنى ..هل فهمتم قصدى......

ان ارى وطنى ينهض من كبوته وتجبر كسرته....


بقلم فتحي عمر الشبلي