وقّعت الأطراف السياسية والعسكرية الرئيسية في ليبيا، بمقر بعثة الأمم المتحدة في العاصمة طرابلس، اتفاقاً سياسياً جديداً برعاية المبعوثة الأممية هانا تيتيه، في خطوة تهدف إلى كسر حالة الانسداد السياسي التي عطّلت المسار الانتخابي لسنوات، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة خلال فترة زمنية لا تتجاوز 24 شهراً. وجاءت هذه الخطوة في محاولة لتجاوز الخلافات التي حالت دون تنظيم الانتخابات المقررة في ديسمبر 2021، بحضور عدد من السفراء وأعضاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وممثل عن المجلس الرئاسي.
ويمثل هذا الاتفاق تتويجاً لنحو أربعة أشهر من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة التي جرت في إطار لجنة الحوار المصغرة المعروفة بصيغة «4+4»، والتي عقدت سبع جولات من المحادثات انطلقت من روما واختتمت في تونس، ضمن مساعٍ أممية لإخراج العملية السياسية من حالة الجمود التي رافقت خارطة الطريق المعلنة في أغسطس 2025.
وتكمن أهمية هذه الصيغة في أنها جمعت ثمانية ممثلين عن أبرز مراكز القوة المؤثرة في المشهد الليبي، مناصفة بين القوى الفاعلة في غرب البلاد وشرقها، إلى جانب مشاركة ممثلين عن المؤسسات التشريعية المعنية بالمصادقة على مخرجات الاتفاق والعمل على تنفيذها. ويُنظر إلى هذا التوافق باعتباره محاولة جديدة للجمع بين القوى السياسية والعسكرية المؤثرة، بعد سنوات من المبادرات التي اصطدمت بالخلافات حول القواعد القانونية والدستورية المنظمة للانتخابات.
وركز الاتفاق الجديد على معالجة أبرز العقد التي أفشلت المحطات الانتخابية السابقة، حيث تضمن توصية بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مع تسمية ضو إبراهيم عطية رئيساً للمفوضية وسناء الليشاني نائبة له. كما أقر تسوية لعدد من الملفات الخلافية الحساسة، من بينها السماح للعسكريين بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية ترشحاً وتصويتاً، وفتح الباب أمام مزدوجي الجنسية لخوض السباق الانتخابي، بشرط التخلي عن الجنسية الأجنبية قبل أداء اليمين الدستورية.
كما وضع الاتفاق شروطاً جديدة للترشح، من بينها جمع 20 ألف تزكية موزعة جغرافياً، بهدف ضمان تمثيل وطني أوسع للمرشحين. وفي ما يتعلق بالملف الدستوري، الذي ظل أحد أبرز أسباب تعطيل المسار السياسي، اتجه الاتفاق إلى تأجيل الحسم في مسألة الدستور الدائم وإحالتها إلى البرلمان المنتخب الجديد، في محاولة لتجاوز الخلاف حول الأساس الدستوري للانتخابات والمضي قدماً نحو الاستحقاق الانتخابي.
وأكدت الترتيبات الجديدة أيضاً ضرورة إجراء الانتخابات في ظل سلطة تنفيذية موحدة، بما يجعل ملف إنهاء الانقسام الحكومي أحد الاختبارات الرئيسية أمام تنفيذ الاتفاق. ونصت التفاهمات على أن تعقد هذه السلطة جلساتها بشكل دوري بالتناوب بين طرابلس وبنغازي وسبها، في محاولة لتحقيق توازن جغرافي وسياسي بين مختلف مناطق البلاد.
ولتحصين الاتفاق من خطر العودة إلى التعطيل المؤسساتي، منح مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة مهلة لا تتجاوز شهراً واحداً للمصادقة عليه رسمياً. وفي حال تعثر التوافق بين المؤسستين، ينص الاتفاق على إمكانية اعتماده كوثيقة ذات طابع دستوري عبر آليات وطنية موسعة، بدعم مباشر من مجلس الأمن الدولي، في محاولة لمنع الخلافات السياسية من إعادة البلاد إلى نقطة الصفر.
وحظي الاتفاق بترحيب واسع على المستويين المحلي والدولي، إذ اعتبرته المبعوثة الأممية هانا تيتيه خطوة مهمة لإعادة الزخم إلى العملية السياسية، بالتوازي مع مواصلة العمل على ملفات أخرى لا تقل تعقيداً، وفي مقدمتها توحيد مؤسسات الدولة والإصلاح الاقتصادي. كما أبدى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وقائد القيادة العامة خليفة حفتر ونائبه صدام حفتر دعمهم لمخرجات اللجنة واستعدادهم للمضي في تنفيذها، إلى جانب ترحيب الاتحاد الأوروبي وعدد من البعثات الدبلوماسية الغربية التي رأت في الاتفاق فرصة جديدة لإعادة إطلاق المسار السياسي.
ورغم ما يمثله هذا الاتفاق من اختراق دبلوماسي مهم والزخم الذي وفره انخراط القوى المؤثرة على الأرض، فإن التحدي الحقيقي يبدأ مع الانتقال من مرحلة التوافقات السياسية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. فتوحيد السلطة التنفيذية، واستكمال الترتيبات القانونية والإجرائية، وضمان عمل المؤسسات الانتخابية، تبقى جميعها ملفات معقدة وقابلة لإعادة إنتاج الخلافات السابقة.
ويبقى السؤال الأهم مرتبطاً بمدى استعداد مختلف الأطراف الليبية للالتزام بما تم الاتفاق عليه وقبول نتائج صناديق الاقتراع، بعد أكثر من عقد ونصف من المراحل الانتقالية المتعاقبة. وبين الترحيب السياسي الواسع بالاتفاق وصعوبة تحويل بنوده إلى واقع ملموس، تقف ليبيا أمام فرصة جديدة قد تفتح الباب أمام إنهاء واحدة من أطول مراحلها الانتقالية، لكنها في الوقت نفسه ستظل رهينة قدرة الفرقاء على تجاوز حساباتهم الضيقة ووضع مصلحة الاستقرار والانتقال الديمقراطي فوق صراعات النفوذ القائمة.
شمس اليوم نيوز
