أستاذ منصور..

قرأت مقالك "عودة الابن الضال"، ولم أجد فيه دفاعًا عن الحداثة بقدر ما وجدت فيه محاكمة للتراث، وكأن كل ما ورثناه عن آبائنا هو سبب هزائمنا، وكأن كل ما جاءنا من الغرب هو طريق الخلاص.

وهنا أختلف معك.

ليست المشكلة في التراث، وإنما في العقول التي توقفت عن إنتاجه. فالتراث لا يصنع الاستبداد، وإنما المستبد هو من يوظف التراث ليبرر استبداده. والدين لا يصنع التخلف، وإنما الجهل هو الذي يحول الدين إلى أداة لتعطيل العقل.

لقد ذكرت أن مشروع النهضة هُزم، وأننا عدنا إلى الماضي. ولكن ألا يستحق الأمر أن نسأل: لماذا هُزم؟ وهل هُزم لأنه كان مشروعًا عقلانيًا، أم لأنه كان في كثير من الأحيان مشروعًا مستوردًا، يتحدث بلغة الناس دون أن يعيش وجدانهم؟

إن الأمم التي تضرب بها الدنيا المثل في التقدم، كاليابان والصين والهند، لم تنهض بعدما تخلت عن تاريخها، بل نهضت لأنها أعادت قراءة تاريخها، وحافظت على هويتها، ثم أضافت إليها العلم والعمل والمؤسسات.

أما أن نجعل القصيدة العمودية، أو حضور التراث في الأدب، دليلًا على الانحدار الحضاري، فذلك حكم لا يصمد أمام التاريخ. فالمشكلة ليست في شكل القصيدة، وإنما في مضمونها. كما أن قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ليستا صك غفران للحداثة، ولا القصيدة العمودية شهادة إدانة للماضي.

إن أزمتنا الحقيقية ليست بين التراث والحداثة، بل بين العقل والكسل، وبين الدولة والفوضى، وبين القانون والفساد. فمن يسرق المال العام لا يفعل ذلك لأنه قرأ المتنبي، ومن يهدم المؤسسات لا يفعله لأنه يحفظ الشعر الجاهلي.

أستاذ منصور...

لسنا بحاجة إلى أن نقتل الماضي حتى نبني المستقبل، كما لسنا بحاجة إلى أن نسكن الماضي ونهجر المستقبل. نحن بحاجة إلى مشروع وطني يصالح بين الهوية والعقل، بين الأصالة والمعاصرة، بين الانتماء والانفتاح.

فالنهضة لا تبدأ بإعلان الحرب على التراث، وإنما تبدأ بإعلان الحرب على الفساد، والاستبداد، والجهل، والتبعية. تلك هي الأمراض التي أعاقت الأمة، وليست قصيدة عمودية، ولا كتابًا من كتب الأقدمين.

ولهذا، فإن "الابن الضال" ليس التراث كما ذهبتَ إليه، بل هو العقل العربي الذي ظل سنوات طويلة تائهًا بين تقليد الغرب دون وعي، وتقليد الماضي دون اجتهاد، حتى فقد القدرة على أن ينتج مشروعه الحضاري الخاص.

بقلم فتحى عمر الشبلى