
تشهد العاصمة الليبية طرابلس منذ فجر الاثنين حراكاً احتجاجياً يتجاوز في أبعاده أزمة انقطاع الكهرباء، التي تبدو بالنسبة إلى كثيرين مجرد الشرارة التي فجّرت حالة احتقان سياسي واجتماعي تراكمت على مدى أشهر. فما يحدث اليوم لا يقتصر على موجة غضب مرتبطة بتردي الخدمات، بل يعكس تراجعاً واضحاً في ثقة جزء من الشارع في مؤسسات الحكم، في ظل استمرار الانقسام السياسي، وتزايد الانتقادات الموجهة إلى أداء الحكومة واتهامات الفساد وسوء الإدارة.
ويتميز هذا الحراك بأسلوب مختلف عن الاحتجاجات السابقة، إذ حرص المحتجون على تجنب قطع الطرقات أو تعطيل الحياة اليومية للمواطنين، واتجهوا بدلاً من ذلك إلى استهداف مقرات ومؤسسات تعتبر من ركائز عمل الدولة، من بينها فروع المصرف المركزي، وشركات الاتصالات، وعدد من الوزارات. ويعكس هذا الخيار محاولة للضغط على السلطة عبر مفاصلها المالية والإدارية، مع تجنب إلحاق الضرر المباشر بالمواطنين، وهو ما يمنح التحرك طابعاً أكثر تنظيماً ويجعل من الصعب تصويره كأعمال شغب أو تخريب.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الذي عاشته ليبيا خلال الفترة الماضية، إذ تمتد جذور الأزمة إلى المواجهات التي شهدتها طرابلس في ماي 2025 وما رافقها من اضطرابات أمنية وسياسية. كما أن رقعة الاحتجاجات اتسعت لتشمل مناطق عدة، من بينها سوق الجمعة وتاجوراء، بالتزامن مع تصاعد سقف المطالب، التي لم تعد تقتصر على تحسين الخدمات أو تغيير الحكومة، بل باتت تدعو إلى إعادة النظر في مجمل الأجسام والمؤسسات السياسية القائمة.
وفي المقابل، يجدر الانتباه الى موقف التشكيلات المسلحة التي لم تنخرط بصورة مباشرة في الأحداث حتى الآن، وهو ما يفتح باب التأويلات حول طبيعة هذا الحياد وحدوده. ففي المشهد الليبي، غالباً ما تكون مواقف القوى المسلحة مؤشراً مهماً على اتجاهات الصراع، وقد لا يعني الصمت الابتعاد عن مجريات الأحداث بقدر ما قد يعكس مرحلة من الترقب أو إعادة ترتيب الحسابات السياسية.
وتبقى تطورات الأيام المقبلة مفتوحة على أكثر من سيناريو. فقد تتمكن الحكومة من احتواء الاحتجاجات عبر إجراءات عاجلة وتحسين نسبي للخدمات، بما يمنحها فرصة لامتصاص الغضب الشعبي وتأجيل الأزمة، أو قد تتوسع دائرة العصيان المدني بما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل موازين القوى السياسية والنفوذ داخل العاصمة، في ظل استمرار الانقسام وتعقّد المشهد الليبي.
وبغض النظر عن المآلات، فإن الاحتجاجات الحالية تؤكد أن الأزمة الليبية لم تعد مرتبطة فقط بملفات الخدمات الأساسية، وإنما أصبحت تعكس أزمة ثقة عميقة في بنية الحكم وآليات إدارة الدولة، وهو ما يجعل أي معالجة اقتصادية أو خدمية غير كافية ما لم تقترن بحلول سياسية تعالج جذور الانقسام وتعيد بناء الثقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين.
شمس اليوم نيوز