أعاد وزير النفط والغاز الليبي، المهندس محمد عون، فتح ملف تطوير قطاع الغاز، كاشفًا عن وثائق ومراسلات رسمية تؤكد أن ليبيا كانت قادرة على تأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي وتجنب أزمة الطاقة الحالية، لو جرى تنفيذ القرارات الحكومية في موعدها.

وأوضح عون أنه منذ توليه وزارة النفط والغاز في مارس 2021، وجّه عشرات المراسلات إلى المؤسسة الوطنية للنفط ورئاسة الحكومة، دعا فيها إلى الإسراع بتطوير الاكتشافات الغازية، وفي مقدمتها حقلا الحمادة وعروس البحر. ورغم مصادقة مجلس الوزراء بالإجماع في أبريل 2022 على خطة التطوير، فإن المشروع لم يدخل حيز التنفيذ، رغم توجيه الوزارة سبع رسائل تذكير لاحقة.

وفي أبريل 2024، خصص مجلس النواب الليبي ستة مليارات دينار لتطوير حقل الحمادة، إلا أن المشروع ظل معطلًا. ويؤكد عون أن الأمر لم يكن مجرد تأخير إداري، بل محاولة لإسناد المشروع إلى ائتلاف شركات أجنبية، قبل أن يتدخل مكتب النائب العام ويوقف الإجراءات.

كما أشار الوزير إلى أن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، فرحات بن قدارة، نبّه النائب العام في الفترة نفسها إلى احتمال مواجهة ليبيا نقصًا في إمدادات الغاز بحلول عام 2026، وهو ما اعتبره عون محاولة لتبرير اللجوء إلى خيارات خارجية بدل تسريع استغلال الحقول الوطنية، رغم توفر التمويل اللازم.

وشدد عون على أن بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون لا يجب أن يبقى مجرد شعار، بل ينبغي أن يترجم إلى احترام القوانين والقرارات والأحكام القضائية. كما لفت إلى ضعف الحوكمة داخل الشركات العامة، موضحًا أن الجمعيات العمومية لبعض المؤسسات، ومنها الشركة العامة للكهرباء، لم تعقد سوى اجتماع واحد خلال ثلاث سنوات، وهو ما يعكس خللًا واضحًا في منظومة الرقابة والمتابعة.

وتأتي تصريحات الوزير في سياق أزمة مستمرة يعيشها قطاع الطاقة الليبي، رغم امتلاك البلاد أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا يناهز 48 مليار برميل، إضافة إلى احتياطات كبيرة من الغاز الطبيعي. إلا أن هذه الثروة لم تنعكس على الواقع الاقتصادي والخدماتي، حيث لا تزال البلاد تواجه أزمات متكررة في الكهرباء وإمدادات الوقود.

ومنذ عام 2011، تعرض قطاع النفط والغاز لسلسلة من الاضطرابات نتيجة الانقسام السياسي والإغلاقات المتكررة للحقول والموانئ النفطية، ما أدى إلى تعطيل الإنتاج وتأجيل مشاريع التطوير. كما أن جزءًا كبيرًا من البنية التحتية للقطاع يعود إلى ستينيات القرن الماضي، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة التأهيل وضمان استدامة الإنتاج.

ورغم أن ليبيا كانت تنتج قبل عام 2011 نحو 1.6 مليون برميل من النفط يوميًا، فإن إنتاجها الحالي يتراوح بين 1.1 و1.2 مليون برميل يوميًا، وهو ما يعكس تأثير الأوضاع السياسية والأمنية على أداء القطاع.

وتسلط تصريحات محمد عون الضوء على إشكالية أعمق تتجاوز ملف الغاز، تتمثل في غياب التنفيذ الفعلي للقرارات الاستراتيجية، رغم توفر الإمكانات المالية والموارد الطبيعية. ويؤكد الوزير أن استثمار الثروة الوطنية بكفاءة كان كفيلًا بتأمين احتياجات السوق المحلية وتعزيز الأمن الطاقي، بدل استمرار حالة التعطيل التي انعكست سلبًا على الاقتصاد ومستوى معيشة المواطنين.

وبين وفرة الموارد وتعثر القرارات، يبقى مستقبل قطاع الطاقة في ليبيا مرهونًا بقدرة مؤسسات الدولة على تجاوز الانقسامات، وتطبيق برامج تطوير حقيقية تحول الثروة الطبيعية إلى رافعة للتنمية والاستقرار، بدل أن تبقى عنوانًا لفرص ضائعة وأزمات متكررة.