​بعد مرور أسبوعين على إغلاق صناديق الاقتراع في الجزائر للانتخابات التشريعية لعام 2026، لا يزال الجدل السياسي والإعلامي يلقي بظلاله على هذه العملية الانتخابية التي سُجلت كأضعف مشاركة شعبية في تاريخ البلاد بنسبة بلغت 21.24%. وقد تعمق هذا الجدل مع إعلان النتائج الأولية التي كرست الهيمنة التقليدية لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بحصده 90 مقعداً، مستفيداً من تراجع حركة مجتمع السلم والمستقلين. وفي هذا السياق، يبرز التساؤل الجوهري الذي طرحته الأستاذة أمل بوبكر في مقالها بموقع "ميدل إيست آي" حول الجدوى السياسية من تنظيم انتخابات تبدو نتائجها محسومة سلفاً؛ حيث تتجاوز الإجابة مجرد رصد الأرقام لتكشف عن طبيعة هياكل السلطة في الجزائر، إذ يدرك الفاعلون أن مراكز القرار الفعلي محصورة بين الرئاسة والجيش، مما يترك البرلمان في موقع هامشي ضعيف، ورغم هذا الإدراك تستمر الأطراف المختلفة في ممارسة طقوسها الروتينية كأمر واقع تفرضه طبيعة النظام.

​ولم تكن نتائج الاقتراع مفاجئة للمراقبين، إذ حافظ الحزب الحاكم على أغلبيته المعتادة وسط عزوف شعبي لافت عكس فجوة عميقة بين الشارع وصناع القرار، فرغم محاولات الحكومة لتحفيز الكتلة الناخبة التي تضم نحو 25 مليون ناخب عبر إعلان يوم الاقتراع عطلة مدفوعة الأجر، استقرت النسبة الإجمالية النهائية عند أقل من 21% متراجعة عن انتخابات 2021. غير أن هذا العزوف لا يعبر عن مجرد سلبية أو لا مبالاة سياسية، بل يعكس وعياً واقعياً لدى المواطن الجزائري الذي بات يميز بوضوح بين الدور الخدمي المحدود للنائب كوسيط محلي لحل المشكلات اليومية، وبين العجز الهيكلي للمؤسسة التشريعية عن إحداث تغيير سياسي حقيقي في موازين القوى العليا للبلاد.

​وفي المقابل، حرصت السلطة على ضبط مخرجات العملية الانتخابية وهندستها بدقة قبل بدء التصويت من خلال تفعيل عملية تدقيق وغربلة صارمة لملفات الترشح، أسفرت عن فحص 854 قائمة انتخابية قُبل منها 793 واستُبعدت 61 أخرى، ليتقلص عدد المرشحين المقبولين إلى نحو 9,854 مرشحاً ربعهم من النساء ونصفهم من فئة الشباب والجامعيين. ورغم تقديم آلاف الطعون ضد قرارات الاستبعاد، لم تقبل اللجنة المستقلة سوى 120 طعناً فقط مبررة ذلك بشبهات مالية أو قانونية، وهو إجراء واجه انتقادات حادة من شخصيات سياسية اعتبرته أداة للإقصاء وتشويه السمعة، خاصة وأن مقصلة الاستبعاد لم تقتصر على المعارضة بل طالت نواباً حاليين ومرشحين من الأحزاب الموالية للسلطة، مما يؤكد أن القرب من دوائر الحكم لا يمنح حصانة مطلقة من الفحص والتدقيق.

​وفي ظل هذا المناخ السياسي المغلق، تبرز عودة أحزاب المعارضة البارزة مثل جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال للمشاركة بعد مقاطعات سابقة، وهي عودة لم تكن مدفوعة بالتفاؤل حيال دور البرلمان، بل فرضتها تعديلات قانونية صارمة تهدد الأحزاب المقاطعة بالحل القانوني إذا تخلفت عن استحقاقات وطنية متتالية، مما جعل المشاركة في جزائر 2026 شرطاً أساسياً للبقاء القانوني واستمرار الوجود الحزبي، واستغلال الحملات كأحد المنابر القليلة المتاحة للتعبير عن المواقف والمطالبة بالإصلاح دون التصادم المباشر مع النظام. وفي المحصلة، فإن محاولات إضفاء طابع التحديث عبر نظام الحصص للشباب والنساء ظلت شكلية بامتياز؛ إذ استُخدم الشباب كواجهة في قوائم الترشيح بينما بقيت قواعدهم غائبة ومهمشة نتيجة قناعة شعبية بأن قنوات الحصول على الخدمات الأساسية والسكن والوظائف تمر عبر الشبكات العائلية والوساطات المحلية والإدارية لا عبر البرامج السياسية وصناديق الاقتراع.