وصف المدون

أخبار عاجلة





في خضم الاهتمام الدولي والإقليمي بمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وما رافقها من نقاشات حول موازين القوى الجديدة في المنطقة، واحتمالات نجاح التفاهمات الأمريكية الإيرانية أو تعثرها، مرّ تصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب دون أن يحظى بالقدر الكافي من التدقيق السياسي، رغم ما يحمله من دلالات تتجاوز مجرد التعليق العابر على الشأن السوري.

فخلال حديثه عن الملف اللبناني ودور حزب الله في المنطقة، قال ترامب: "أنا وأردوغان وآخرون وضعنا أحمد الشرع هناك"، في إشارة إلى الرئيس السوري الحالي. وقد بدا التصريح للكثيرين وكأنه امتداد لأسلوب ترامب المعروف بالمبالغة واستفزاز الخصوم والحلفاء على حد سواء. غير أن العودة إلى تصريح سابق أدلى به في شهر فيفري الماضي تجعل من الصعب التعامل معه بهذه البساطة، إذ قال حينها إن أحمد الشرع، "الذي وضعته بنفسي هناك"، يقوم بعمل "رائع".

عندما يتكرر المعنى ذاته في مناسبتين مختلفتين وضمن سياقين سياسيين متباعدين نسبياً، فإن الأمر يتجاوز حدود الارتجال أو المبالغة الخطابية، ليصبح مؤشراً على رؤية أمريكية لما جرى في سوريا خلال السنوات الأخيرة، أو على الأقل على الطريقة التي ترغب الإدارة الأمريكية الحالية في تقديم تلك الأحداث من خلالها.

تكمن أهمية هذا التصريح في أنه يضع الولايات المتحدة وتركيا بشكل مباشر ضمن الأطراف التي ساهمت، وفق رواية ترامب، في صناعة التغيير الذي انتهى بوصول السلطة الجديدة إلى دمشق. أما عبارة "وآخرون" التي أضافها الرئيس الأمريكي، فتفتح الباب أمام تأويلات متعددة بشأن القوى الإقليمية والدولية التي شاركت بدرجات متفاوتة في إعادة تشكيل المشهد السوري. فإسرائيل، على سبيل المثال، لم تُخفِ في أكثر من مناسبة ارتياحها لانهيار النظام السابق، بل إن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو تحدث مراراً عن الدور الذي لعبته التطورات العسكرية والسياسية في إضعاف دمشق وحلفائها.

كما أن عدداً من القوى الإقليمية كان حاضراً بدرجات مختلفة في إدارة الملف السوري طوال سنوات الأزمة، سواء عبر الدعم السياسي أو الأمني أو من خلال الانخراط في ترتيبات ما بعد سقوط النظام.

ولا تقتصر دلالات تصريحات ترامب على ما قد تسببه من حرج للرئيس السوري أحمد الشرع، الذي يجد نفسه في كل مرة أمام تذكير أمريكي مباشر بالدور الخارجي في وصوله إلى السلطة. فالأبعاد الأعمق لهذه التصريحات تكمن في أنها تعيد فتح النقاش حول طبيعة التحولات التي شهدتها سوريا، وحول الرواية التي سادت لدى قطاعات واسعة من الرأي العام بشأن سقوط النظام السابق وصعود السلطة الجديدة.

فمنذ الإعلان عن التغيير في دمشق، انقسمت القراءات بين من اعتبر ما حدث نتيجة طبيعية لتراكمات داخلية سياسية واقتصادية وأمنية أدت في النهاية إلى انهيار بنية النظام، وبين من رأى أن العامل الخارجي كان حاسماً في رسم مسار الأحداث وتحديد مآلاتها. وتأتي تصريحات ترامب لتمنح أصحاب القراءة الثانية مادة إضافية للاستدلال على أن التحول السوري لم يكن مجرد نتيجة لتوازنات داخلية، بل كان أيضاً نتاج توافقات وحسابات دولية وإقليمية سبقت لحظة التغيير ومهدت لها.

كما تكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تصدر عن رئيس الولايات المتحدة نفسها، الدولة التي ظلت لعقود لاعباً أساسياً في هندسة التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط. فعندما يتحدث ترامب بهذه الصراحة عن دور بلاده ودور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إيصال أحمد الشرع إلى السلطة، فإنه لا يقدم مجرد قراءة سياسية للأحداث، بل يبعث برسالة مفادها أن ما جرى في سوريا لم يكن بعيداً عن إرادة القوى الكبرى ومصالحها الاستراتيجية.

وفي سياق أوسع، تبدو تصريحات ترامب منسجمة مع التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، والتي اتسمت بإعادة رسم خرائط النفوذ وتفكيك التحالفات التقليدية وإضعاف ما كان يُعرف بمحور المقاومة الذي ضم إيران وسوريا وحزب الله وعدداً من الحركات الحليفة. ومن هذا المنظور، يمكن فهم التغيير في دمشق باعتباره جزءاً من عملية إعادة تشكيل أوسع للمشهد الإقليمي، شاركت فيها قوى دولية وإقليمية متعددة، كلٌّ وفق مصالحه وحساباته الخاصة.

لذلك فإن القيمة السياسية الحقيقية لهذه التصريحات لا تكمن في نبرتها الاستعلائية أو في الإحراج الذي قد تسببه للقيادة السورية الجديدة، بل في أنها تعيد طرح السؤال الجوهري الذي يحاول كثيرون تجنبه منذ سنوات: إلى أي مدى كان ما حدث في سوريا تعبيراً عن إرادة سورية داخلية خالصة، وإلى أي حد كان نتيجة لتقاطعات دولية وإقليمية ساهمت في صناعة المشهد الجديد؟. وهو سؤال لا يبدو أن الجدل حوله سيتوقف قريباً، خاصة كلما خرج أحد الفاعلين الكبار في هذا الملف ليكشف جانباً جديداً من كواليس واحدة من أكثر التحولات السياسية تعقيداً في تاريخ المنطقة المعاصر.


شمس اليوم  نيوز 

Back to top button