تناول الحوار التلفزيوني الذي بثته قناة التناصح الفضائية التقرير النهائي لنتائج أعمال الحوار المهيكل الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى جانب التطرق إلى المبادرات والتحركات الدولية المرتبطة به، وفي مقدمتها ما يُعرف بـ"صفقة بولس" وما يثار حولها من ترتيبات سياسية للمرحلة المقبلة.
واستهل البرنامج أعماله بتقرير رصد المشهد السياسي الليبي في ظل استمرار حالة الجمود والانقسام السياسي، مسلطًا الضوء على التسريبات المتعلقة بالصيغة النهائية لتوصيات مسار الحوكمة المنبثق عن الحوار المهيكل. وأشار التقرير إلى أن المقترحات المتداولة تتجه نحو إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وتكوين حكومة جديدة تحت مسمى "حكومة الاستحقاق الوطني" تمتد ولايتها لعامين، وهو ما اعتبره بعض المراقبين تمهيدًا لمرحلة انتقالية جديدة تكرس توازنات النفوذ القائمة وتمنحها غطاءً سياسيًا، بالتزامن مع حراك أمريكي يقوده المبعوث مسعد بولس.
وفي هذا السياق، شن الباحث في الشأن السياسي الدكتور إدريس أبو فايد انتقادات حادة لمخرجات مسار الحوكمة، واصفًا إياها بأنها "كارثية" وتمثل شكلاً من أشكال الوصاية الدولية على القرار الليبي. ورأى أن البعثة الأممية وقعت في تناقض واضح عندما أكدت أن التوصيات ذات طابع استرشادي، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى الدفع نحو تنفيذها عبر آليات داخلية. كما أشار إلى أن نسبة معتبرة من المشاركين في المسار أبدوا اعتراضهم على تلك المخرجات، معتبرًا أن التقرير النهائي جاء معبرًا عن رؤية البعثة أكثر من كونه انعكاسًا لتوافق ليبي حقيقي.
وأضاف أبو فايد أن الوثيقة النهائية تجاوزت المرجعيات القانونية القائمة، وفي مقدمتها مشروع الدستور المنجز من الهيئة التأسيسية المنتخبة، متوقفًا عند ما تضمنته من إشارات إلى نظام الأقاليم الثلاثة وربط البلديات به، فضلًا عن تناولها لقضايا تتعلق بالسجل المدني، وهو ما رأى فيه تجاوزًا لصلاحيات الحوار وتدخلاً في ملفات سيادية.
من جهته، أيد رئيس تجمع الأحزاب الليبية الدكتور فتحي الشبلي هذه الانتقادات، مؤكدًا أن التجمع اختار عدم المشاركة في الحوار منذ انطلاقه لقناعته بأنه يمثل محاولة جديدة لإطالة أمد الأزمة وإعادة تدويرها بدلًا من معالجتها. واعتبر أن بعض المقترحات المطروحة تحمل في طياتها نزعة تقسيمية، خاصة ما يتعلق بفكرة وجود ممثلين أو نواب للحكومة على أساس الأقاليم، وهو ما قد يؤدي – بحسب رأيه – إلى إضعاف مؤسسات الحكم المحلي وإرباك هيكل الإدارة العامة للدولة.
كما انتقد الشبلي غياب أي مسار واضح يقود إلى الاستفتاء على الدستور أو إجراء الانتخابات، معتبرًا أن الملاحق الصادرة عن الحوار ركزت بصورة كبيرة على الجوانب الرقابية والمالية والقضائية، بما يمنح البعثة الأممية دورًا واسعًا في إدارة الشأن الليبي.
في المقابل، قدم عضو الحوار المهيكل عن المسار الاقتصادي الأستاذ عبد الرحيم الشيباني رؤية مغايرة، دافع فيها عن مخرجات الحوار وآليات عمله. وأوضح أن العملية الحوارية جمعت أكثر من 120 شخصية ليبية تمثل مختلف المناطق والتوجهات، بهدف البحث عن حلول للأزمات السياسية والاقتصادية والمؤسساتية التي تعاني منها البلاد.
ونفى الشيباني صحة ما يتردد بشأن وجود اعتراض واسع على المخرجات النهائية، مؤكدًا أن عدد المعترضين محدود ولا يعكس موقف الأغلبية المشاركة. كما شدد على أن توصيات المسار الاقتصادي صيغت بإرادة ليبية كاملة ومن دون تدخل مباشر من خبراء البعثة الأممية، معتبرًا أن المقترحات المتعلقة بوجود نواب لرئيس الحكومة في المناطق المختلفة تستهدف معالجة إشكالية المركزية المفرطة وتقريب الخدمات من المواطنين، ولا علاقة لها بأي توجه نحو التقسيم.
وفيما يتعلق بما يُعرف بـ"صفقة بولس"، قلل الشيباني من أهمية الربط بينها وبين مخرجات الحوار المهيكل، معتبرًا أن تلك المبادرة لم تعد مطروحة عمليًا وأن التطورات السياسية تجاوزتها.
واختُتم الحوار بالتأكيد على استمرار التباين بين مؤيدي مخرجات الحوار ومنتقديها، حيث جدد الدكتور إدريس أبو فايد تمسكه بضرورة العودة إلى المسار الدستوري عبر الاستفتاء على مشروع الدستور الذي أعدته الهيئة التأسيسية المنتخبة، معتبرًا أن أي ترتيبات سياسية تتجاوز هذا الاستحقاق تمثل انتقاصًا من حق الشعب الليبي في تقرير مستقبله واختيار شكل نظامه السياسي.
شمس اليوم نيوز
