لم يكن اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه بنظر نظيره الليبي، نائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق صدام حفتر، مجرد حدث دبلوماسي عابر في أجندة العلاقات الثنائية، بل جاء ليعبّر عن تحول استراتيجي جوهري في الرؤية الفرنسية لآفاق الاستقرار في ليبيا والمنطقة المحيطة بها. ففي ظل التعقيدات الجيوسياسية التي تشهدها الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط وامتداداتها نحو دول الساحل والصحراء، باتت باريس تنظر إلى الفريق صدام كعنوان للمرحلة السياسية والميدانية المقبلة، وكشخصية محورية قادرة على قيادة الدفة السياسية والعسكرية نحو بر الأمان. وقد تجسد هذا الاهتمام في المباحثات العميقة التي جرت حول سبل تعزيز التنسيق الأمني والعسكري المشترك، وتطوير أطر التعاون بما يخدم المصالح المتبادلة ويسهم في توطيد دعائم الأمن على المستويين الوطني والإقليمي.
هذا الحراك الدبلوماسي لم يقتصر على قمة الإليزيه، بل امتد ليشمل سلسلة من اللقاءات المكثفة والمثمرة التي أجراها الفريق صدام مع كبار المسؤولين الأمنيين والسياسيين في فرنسا؛ من بينهم المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي بول سولير، ورئيس الأركان الخاصة الجنرال فانسا جيرو، وقائد العمليات الخاصة ميشيل ديلبي. وقد ركزت هذه المباحثات بشكل أساسي على بناء شراكة عسكرية مستقبلية متطورة، وجددت من خلالها فرنسا موقفها الثابت والداعم لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، مع التشديد على ضرورة إخراج كافة المرتزقة والقوات الأجنبية من الأراضي الليبية لضمان سيادة الدولة واستعادتها لقرارها الوطني المستقل.
ويمكن قراءة هذه الزيارة، التي تُعد الثانية له إلى باريس خلال العام الجاري، عبر جملة من الأبعاد الاستراتيجية المترابطة؛ أولها الاعتراف الفرنسي الصريح بالدور القيادي للفريق صدام، الذي نجح في كسب الثقة المطلقة لوالده المشير خليفة حفتر، وفي إثبات حضوره الفاعل في مفاصل المجتمع الليبي بتركيبته القبلية والجهوية، فضلاً عن قيادته لخطط التحديث والإصلاح داخل المؤسسة العسكرية وتطوير علاقات ليبيا مع قوى إقليمية ودولية وازنة. وثاني هذه الأبعاد يتمثل في انفتاح القوى الدولية ومباركتها لإمكانية توليه رئاسة المجلس الرئاسي ضمن تسوية سياسية شاملة تهدف إلى توحيد السلطة التنفيذية وتشكل حكومة جديدة قادرة على التمهيد للانتخابات والمصالحة الوطنية، مما يشكل بادرة إيجابية ومخرجاً حقيقياً من أزمة السنوات الخمس عشرة الماضية.
وفي المقابل، فإن الموقف الفرنسي يعكس استمرارية في دعم مسار القيادة العامة منذ انطلاق ثورة الكرامة في عام 2014، حيث ترى باريس في هذا النهج تضحية حقيقية لمواجهة التطرف والإرهاب، وتجد في الفريق صدام امتداداً طبيعياً وأميناً لهذا المشروع الوطني. وبناءً على ذلك، تتطلع فرنسا للتعاون مع هذا القائد الشاب لبناء جسور تواصل متجددة مع منطقة الساحل والصحراء، مستفيدة من قراءته الدقيقة للملفات السياسية والأمنية. وفي نهاية المطاف، تأتي هذه اللقاءات لتؤكد رغبة القيادة العامة الليبية في الاستفادة من الخبرات العسكرية الفرنسية المتقدمة في مجالات التدريب والتطوير، والتنسيق المشترك لمكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، لتضع الفريق صدام في موقع الزعيم المستقبلي الذي يمتلك زمام المبادرة وقدرة حقيقية على صياغة حلول حاسمة للتحديات التي تواجه بلاده والمنطقة برمتها.
