سلّط تقرير دولي حديث الضوء على التحديات الجسيمة التي تواجهها ليبيا في طريقها نحو تنظيم انتخابات عامة، مصنفاً إياها ضمن الدول الأكثر خطورة لإجراء الاستحقاقات الانتخابية في العالم، بالنظر إلى هشاشة الوضع الأمني واستمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.
وفي تعليقه على هذه المعطيات، أكد الخبير القانوني عبدالله الديباني أن الإشكال الجوهري لا يكمن في إجراء الانتخابات في حد ذاتها، بل في غياب إطار قانوني ودستوري مستقر وقادر على توفير الضمانات اللازمة لإنجاح العملية الانتخابية وقبول نتائجها من قبل جميع الأطراف. ويرى الديباني أن أي انتخابات لا تستند إلى قاعدة تشريعية واضحة ومحصنة ستظل معرضة للطعن والنزاعات، بما قد يعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.
ودعا الخبير القانوني إلى إصدار قوانين انتخابية واضحة ودقيقة، بعيدة عن التأويلات السياسية المتضاربة، مع تفعيل الرقابة القضائية الكاملة على مختلف مراحل العملية الانتخابية، بما يعزز الشفافية ويضمن سلامة النتائج. كما اقترح اعتماد ميثاق شرف وطني ملزم للأطراف السياسية، يتضمن آليات واضحة وعقوبات رادعة ضد كل من يرفض نتائج الانتخابات أو يلجأ إلى العنف وعرقلة المسار الديمقراطي.
ويأتي هذا الطرح في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني من انقسام سياسي ومؤسساتي عميق بين مراكز القرار المختلفة، وسط استمرار الخلافات حول القاعدة الدستورية والقوانين المنظمة للانتخابات، وهي ملفات ظلت لعقود من أبرز العقبات التي حالت دون الوصول إلى استحقاق انتخابي جامع يحظى بإجماع وطني.
ويؤكد مراقبون أن المخاطر المرتبطة بالانتخابات الليبية لا ترتبط فقط بالجانب الأمني، رغم أهميته، بل تشمل كذلك أزمة الثقة المتراكمة بين الفاعلين السياسيين، وتعدد مراكز النفوذ، واستمرار وجود تشكيلات مسلحة خارج سلطة الدولة، الأمر الذي يثير مخاوف من إمكانية الطعن في النتائج أو رفضها إذا لم تسبق العملية الانتخابية تسويات سياسية وضمانات قانونية كافية.
كما أن التجارب السابقة أظهرت أن الانتخابات، مهما كانت درجة تنظيمها الفنية، لا يمكن أن تحقق أهدافها في ظل غياب توافق سياسي واسع حول قواعد المنافسة وآليات تداول السلطة. فالأزمات التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية كشفت أن الخلاف لا يتعلق غالباً بعملية الاقتراع نفسها، بل بمدى قبول الأطراف بنتائجها واحترامها للمسار الديمقراطي.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى حوار وطني شامل يضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية، بهدف بناء أرضية مشتركة تسمح بإجراء انتخابات قادرة على إنتاج مؤسسات شرعية وموحدة، بدلاً من تكريس الانقسام القائم. كما يتطلب الأمر إصلاحات أمنية ومؤسساتية عميقة تعيد للدولة احتكارها المشروع للقوة وتوفر مناخاً آمناً للناخبين والمرشحين على حد سواء.
ولا تقتصر تداعيات استمرار الأزمة السياسية على الجانب المؤسساتي فحسب، بل تمتد إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يدفع المواطن الليبي ثمنها يومياً. فتعثر المسار السياسي انعكس على مستوى الخدمات العامة والاستثمارات والتنمية، ما جعل قطاعات واسعة من الليبيين تتطلع إلى حل سياسي مستدام ينهي سنوات من عدم الاستقرار.
وفي المحصلة، فإن تصنيف ليبيا ضمن الدول الأكثر خطورة لإجراء الانتخابات لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حكماً نهائياً على مستقبلها الديمقراطي، بل كتنبيه إلى حجم التحديات التي لا تزال تعترض هذا المسار.
فالانتخابات يمكن أن تشكل بوابة نحو الاستقرار إذا سبقتها تسويات سياسية وإصلاحات قانونية وأمنية جادة، لكنها قد تتحول في المقابل إلى عامل إضافي للأزمة إذا أُجريت في ظل الظروف الحالية دون توفير الضمانات الكفيلة بحماية نتائجها واحترامها.
لذلك يبقى الرهان الحقيقي أمام الليبيين اليوم ليس مجرد الوصول إلى صناديق الاقتراع، بل بناء توافق وطني قادر على تحويل الانتخابات من محطة خلافية إلى نقطة انطلاق نحو دولة موحدة ومستقرة تحكمها المؤسسات وسيادة القانون.
شمس اليوم نيوز
