تشهد الساحة الليبية تحركات أمنية مكثفة ومواقف سياسية حازمة تجاه ملف الهجرة غير النظامية، حيث أصدر نائب قائد قوات شرق ليبيا، صدام حفتر، تعليمات صارمة للأجهزة الأمنية في المناطق الشرقية والجنوبية بضرورة إنهاء التواجد غير القانوني للأجانب والمهاجرين المخالفين، واتخاذ إجراءات فورية لضبط كل من لا يحمل وثائق أو تصاريح إقامة رسمية تمهيداً لترحيلهم وفق القوانين واللوائح المنظمة. وتطبيقاً لهذه التوجيهات، شنت الأجهزة الأمنية في مدن بنغازي، وطبرق، وأجدابيا، والبطنان حملات واسعة أسفرت عن توقيف أعداد كبيرة من المهاجرين، من بينهم نحو 800 شخص في مدينة طبرق وحدهم جرى البدء في ترحيلهم إلى بلدانهم.
وتأتي هذه التطورات الميدانية بالتزامن مع موجة استياء شعبي على منصات التواصل الاجتماعي، إثر تداول تقارير تزعم وجود مساعٍ من جهات أممية لتوطين المهاجرين غير النظاميين داخل البلاد، وهي مزاعم رافقتها دعوات شعبية لطرد المخالفين وإغلاق مقار منظمة الهجرة الدولية في العاصمة طرابلس، رداً على ما اعتبره المواطنون تهديداً للاستقرار والأمن القومي.
وعلى المستوى الرسمي، تبلور موقف ليبي موحد يرفض هذه التوجهات؛ إذ أعلن رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ونائب رئيس المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه، رفضهم القاطع لمسألة التوطين كونها تمس بالاعتبارات السيادية والديموغرافية والأمنية للدولة وتتعارض مع المصالح الوطنية العليا. وفي السياق ذاته، أكدت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية تمسكها بالثوابت الوطنية الرافضة للتوطين، مشيرة إلى أنها تتابع قلق الشارع من تداعيات الهجرة السلبية، وفي الوقت نفسه دعت إلى تحري الدقة في النشر وعدم الانجرار وراء الشائعات أو الخطاب التحريضي.
من جانبها، أعربت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا عن قلقها من انتشار المعلومات المضللة والخطاب التحريضي الذي يستهدف المهاجرين على وسائل التواصل الاجتماعي، في وقت تعيش فيه البلاد حساسية مفرطة تجاه هذا الملف، لا سيما بعد قيام جهاز الأمن الداخلي بإقفال مقار 10 منظمات إنسانية دولية لاتهامها بالانخراط في مشاريع مشبوهة لدعم التوطين مستغلةً حالة عدم الاستقرار.
وتعكس هذه الأزمة المتصاعدة حجم الضغط الديموغرافي والاقتصادي الذي تواجهه ليبيا، في ظل تقديرات رسمية لوزارة الداخلية تشير إلى وجود نحو 3 ملايين مهاجر غير نظامي داخل أراضيها، يستغلون الانقسام السياسي والفوضى الأمنية ونشاط شبكات التهريب في مناطق الشمال الغربي لاتخاذ البلاد منصة عبور نحو الشواطئ الأوروبية، وسط شكاوى ليبية مستمرة من تخلي القارة الأوروبية عن التزاماتها وتأكيدها الدائم على أن ليبيا ضحية لكونها بلد عبور فقط وليست بلد منشأ للظاهرة.
