تُحيي تونس اليوم، على غرار سائر بلدان العالم، العيد العالمي للشغل الموافق لغُرّة ماي، في مناسبة سنوية تستحضر نضالات العمّال وتُجدّد التذكير بأهمية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
وتعود جذور هذا العيد إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدًا إلى مدينة شيكاغو الأمريكية، حيث خاض العمال سلسلة من الاحتجاجات والإضرابات للمطالبة بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميًا، بعد أن كانت ظروف العمل قاسية وتمتدّ لساعات طويلة دون ضمانات. ورغم ما تعرّضت له تلك التحركات من قمعٍ دموي، فإنها شكّلت نقطة تحوّل تاريخية، لتتحوّل ذكرى غرّة ماي إلى رمز عالمي لنضال الطبقة العاملة من أجل الكرامة والعدالة الاجتماعية.
وفي تونس، ارتبط عيد الشغل بتاريخ الحركة النقابية، حيث تم إحياء أول احتفال به سنة 1946 بالتزامن مع تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي لعب دورًا محوريًا ليس فقط في الدفاع عن حقوق العمال، بل أيضًا في معركة التحرر الوطني. وقد أُقرّ هذا اليوم رسميًا كعيد وطني سنة 1948، ليصبح مناسبة يُمنح فيها العمال حق التوقف عن العمل مع الحفاظ على أجورهم، في خطوة تعكس الاعتراف بدورهم الحيوي في بناء الاقتصاد والمجتمع.
ولا يقتصر الاحتفال بعيد الشغل في تونس على الطابع الرمزي، بل يُعدّ أيضًا فرصة لتقييم أوضاع الشغالين، واستعراض التحديات التي ما تزال تواجههم، مثل البطالة، هشاشة التشغيل، وتراجع القدرة الشرائية. كما يُمثّل هذا اليوم مناسبة لتجديد الدعوة إلى تحسين ظروف العمل، وتعزيز الحوار الاجتماعي بين مختلف الأطراف من أجل تحقيق تنمية عادلة ومستدامة.
ويُحيي التونسيون هذه الذكرى من خلال تنظيم مسيرات ولقاءات نقابية وخطابات رسمية، تؤكد في مجملها على أهمية العمل كقيمة إنسانية، وعلى ضرورة صون حقوق العمال وضمان كرامتهم في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة.
وفي ظلّ المتغيرات الراهنة، يكتسب عيد الشغل أبعادًا جديدة، حيث تبرز قضايا مثل العمل غير المنظم، والعمل عن بُعد، وحقوق العمال في الاقتصاد الرقمي، ما يفرض إعادة التفكير في التشريعات والسياسات الاجتماعية بما يواكب هذه التحولات.
وهكذا، يبقى عيد الشغل مناسبة جامعة، تُجسّد تاريخًا من النضال، وتفتح آفاقًا لمستقبل أكثر إنصافًا للطبقة العاملة، التي تظلّ ركيزة أساسية في مسار التنمية والتقدّم.
شمس اليوم نيوز
