من قلب العاصمة البريطانية لندن، عاد السودان ليحتل واجهة الاهتمام الدولي بعد أشهر طويلة من التراجع في سلم الأولويات العالمية، وذلك عبر مؤتمر دولي رفيع المستوى انعقد في منتصف أفريل 2025 بمشاركة المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من القوى الدولية والإقليمية، في محاولة عاجلة لإنقاذ بلد يواجه واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. وجاء هذا المؤتمر بينما تدخل الحرب السودانية عامها الثالث، وسط تصاعد المأساة الإنسانية وانهيار غير مسبوق في مؤسسات الدولة والبنية التحتية والخدمات الأساسية، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي إلى التحرك مجدداً بعد إدراك متزايد لخطورة استمرار الصراع وتداعياته الإقليمية والإنسانية.
الحرب التي اندلعت في السودان في أفريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لم تعد مجرد نزاع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى أزمة إنسانية شاملة طالت مختلف مناحي الحياة. فالمعارك المستمرة أدت إلى مقتل الآلاف وتشريد الملايين داخل السودان وخارجه، بينما باتت مدن كاملة تعيش في عزلة تامة نتيجة انهيار الخدمات الصحية ونقص الغذاء والمياه وانتشار الأمراض. وتشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن أكثر من 30 مليون سوداني أصبحوا بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في حين تجاوز عدد النازحين واللاجئين 13 مليون شخص، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي يهدد مستقبل البلاد.
وفي هذا السياق، جاء مؤتمر لندن ليحمل رسالة سياسية وإنسانية واضحة مفادها أن العالم لم يعد قادراً على تجاهل ما يحدث في السودان. وقد أعلن المشاركون خلال المؤتمر عن حزم مساعدات مالية ضخمة تجاوزت 800 مليون يورو، تصدرها الاتحاد الأوروبي بتقديم أكثر من 522 مليون يورو لدعم العمليات الإنسانية، فيما أعلنت المملكة المتحدة عن حزمة مساعدات جديدة بقيمة 120 مليون جنيه إسترليني، إضافة إلى مساهمات كبيرة من ألمانيا وفرنسا ودول أخرى. وتهدف هذه المساعدات إلى توفير الغذاء والرعاية الصحية والمياه وخدمات الحماية والإيواء، خصوصاً للفئات الأكثر تضرراً مثل النساء والأطفال والنازحين الذين يعيشون أوضاعاً مأساوية داخل مخيمات النزوح أو في مناطق يصعب الوصول إليها.
لكن المؤتمر لم يقتصر على التعهدات المالية فقط، بل حمل أيضاً أبعاداً سياسية ودبلوماسية مهمة. فقد شدد المشاركون على ضرورة الوقف الفوري وغير المشروط لإطلاق النار، مؤكدين أن الحل العسكري لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والانقسام. كما أكد البيان الختامي للمؤتمر أهمية الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، مع رفض أي محاولات لتقسيم البلاد أو إنشاء سلطات موازية قد تدفع السودان نحو التفكك الكامل. وشددت الدول المشاركة على ضرورة دعم مسار سياسي شامل يقوده المدنيون، باعتباره السبيل الوحيد لإنهاء الحرب وإعادة الاستقرار إلى البلاد.
وكانت تصريحات وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي من أبرز المواقف التي لفتت الأنظار خلال المؤتمر، حيث وصف الصمت الدولي تجاه الأزمة السودانية خلال العامين الماضيين بأنه “خطأ أخلاقي”، مؤكداً أن العالم تأخر كثيراً في التعامل مع معاناة السودانيين. وأشار لامي إلى أن ملايين الأشخاص باتوا يواجهون خطر المجاعة الحقيقية، بينما تتعرض النساء والأطفال لانتهاكات مروعة تشمل العنف الجنسي والاستغلال والنزوح القسري، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته الإنسانية والسياسية تجاه السودان.
كما ركزت المداولات على العقبات التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين، إذ تواجه المنظمات الإنسانية صعوبات كبيرةع بسبب استمرار القتال وإغلاق بعض المعابر والطرق الرئيسية. ولهذا دعا المؤتمر الأطراف المتحاربة إلى فتح الممرات الإنسانية وتأمين وصول قوافل الإغاثة إلى المناطق المتضررة، خاصة عبر معبر “أدري” الحدودي مع تشاد، الذي يُعد شرياناً أساسياً لإيصال الغذاء والدواء إلى ملايين المدنيين المحاصرين في مناطق النزاع.
ولم يغفل المؤتمر الحديث عن الانتهاكات الخطيرة التي يشهدها السودان، حيث أعرب المشاركون عن قلقهم البالغ إزاء التقارير التي تتحدث عن استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، واستهداف المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، إضافة إلى عمليات النهب والتدمير التي طالت المستشفيات والمدارس والبنية التحتية. كما دعا المجتمعون إلى ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم وضمان عدم إفلاتهم من العقاب، باعتبار أن تحقيق العدالة يمثل جزءاً أساسياً من أي عملية سلام مستقبلية.
ورغم أهمية ما خرج به مؤتمر لندن من تعهدات مالية ورسائل سياسية، فإن كثيراً من المراقبين يرون أن الأزمة السودانية ما تزال بعيدة عن الحل، خاصة في ظل تعقيدات المشهد العسكري وتشابك المصالح الإقليمية والدولية. كما أن غياب ممثلين عن أطراف الصراع عن المؤتمر أثار تساؤلات حول مدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل هذه الوعود إلى خطوات عملية تفضي إلى وقف الحرب. ومع ذلك، فإن المؤتمر يمثل تحولاً مهماً في مستوى الاهتمام الدولي بالسودان، ويعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار الحرب لا يهدد السودان وحده، بل يحمل تداعيات خطيرة على أمن واستقرار المنطقة بأكملها.
وفي النهاية، يبدو أن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تنجح الجهود الدولية في دفع الأطراف المتحاربة نحو تسوية سياسية تنهي معاناة الملايين وتعيد بناء الدولة السودانية، أو يستمر النزاع ليدفع البلاد نحو مزيد من الانهيار والفوضى. وبين هذا وذاك، يبقى الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر في حرب أنهكت الأرواح ودمرت الأحلام، فيما يظل الأمل معلقاً على تحرك دولي أكثر جدية يضع حداً لهذه المأساة.
شمس اليوم نيوز
