في صباح الأول من أبريل، وقبل أن ينتصف النهار، كانت أنظار الليبيين مشدودة إلى شاشات التلفاز، يترقبون بيانًا قيل إنه “هام”… بيانًا من أولئك الذين بيدهم القرار السياسي والاقتصادي، والذين اعتاد الناس منهم الوعود أكثر من الأفعال.
لحظات من الصمت الثقيل… كأن الزمن توقف… ثم بدأ البيان.
ظهروا جميعًا… بوجوهٍ طالما ارتبطت في ذاكرة الناس بالخيبة، لكن هذه المرة حاولت أن ترتدي ملامح الندم.
بصوتٍ بدا وكأنه يخرج من أعماق متأخرة جدًا… أعلنوا:
أنهم يتقدمون باعتذارٍ شديد إلى الشعب الليبي… عن سنواتٍ من العبث، والضياع، وإهدار الكرامة قبل الثروات.
قالوا إنهم يتركون السلطة طواعية… لا خوفًا من حساب، بل طمعًا في غفران… وإنهم أدركوا، أخيرًا، أن الوطن أكبر منهم جميعًا.
تعهدوا بإعادة كل ما استولوا عليه… كل دينار، كل أرض، كل فرصة ضاعت من عمر هذا الشعب.
أعلنوا أنهم سيجمعون السلاح من الشوارع، ويعيدونه إلى مخازن الدولة… وأن زمن المليشيات قد انتهى بلا رجعة.
قالوا إنهم طلبوا من كل القوات الأجنبية الرحيل فورًا… بلا صفقاتٍ خلف الكواليس، ولا سيادة منقوصة.
وأكدوا أن السجون ستُفتح… وأن كل مظلوم سيخرج مرفوع الرأس… وأن الكرامة لن تكون شعارًا بعد اليوم، بل واقعًا يُعاش.
ثم جاءت الجملة التي حبست الأنفاس: أن الانتخابات ستكون بإرادة الشعب… وتحت أمره… لا تُصادر، ولا تُفصّل، ولا تُزوّر.
ساد الصمت…
بعض الليبيين اغرورقت أعينهم… كأنهم رأوا وطنًا يعود من بعيد… وبعضهم ابتسم بسخرية موجعة… لأنه يعرف الوجوه أكثر مما يعرف الكلمات.
تبادل الناس النظرات… تساؤلٌ خافت: “هل يمكن…؟”
ثم… كأن الحقيقة صفعت الجميع دفعةً واحدة…
تذكّروا التاريخ.
تذكّروا التجارب.
تذكّروا كل الوعود التي قيلت… ولم تُنفّذ.
وتذكّروا…
أن اليوم هو الأول من أبريل.
كذبةٌ… لكنها ليست ككل الأكاذيب لاأنها تشبه الحقيقة التي نتمناها… أكثر مما تشبه الواقع الذي نعيشه.
“وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ.”
بقلم فتحى عمر الشبلى..
