شاهدنا انكسار الهيمنة الأمريكية على مقدرات الدول وبزوغ فجر السيادة الإقليمية المستقلة قراءة في "معركة الأربعين" وفرض إرادة المحور إذ تُعد نتائج "معركة الأربعين يوماً" إنعطافةً جوهرية في الجغرافيا السياسية للمنطقة، حيث تجاوزت بآثارها الصراع العسكري المباشر لتؤسس لمرحلة جديدة من "الندية السيادية".
ومن منظور العلوم السياسية والإستراتيجية، يمكننا قراءة هذا الإنتصار عبر الأبعاد البنيوية التالية: تحت عنوان زحف السيادة حين تفرض الإرادة الشعبية شروطها على الأساطيل وحاملات الطائرات.
أولاً: الردع الاستراتيجي وإعادة تعريف القوة: كيف أعادت المسيرات والصواريخ رسم خارطة الردع. لقد نجحت المقاومة في تقويض مفهوم "التفوق المطلق" الذي أعتمد عليه الخصم لعقود. إن كفاءة الأنظمة الصاروخية وسلاح المسيرات في اختراق العمق الاستراتيجي للعدو وفرض شروط الإغلاق الملاحي في مضيق هرمز، لم تكن مجرد استعراض قوة، بل كانت "رسالة ردع" غيّرت قواعد الاشتباك، وأجبرت القوى الدولية على الاعتراف بالمحور كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه في أي هندسة أمنية قادمة.
ثانياً: استراتيجية "تحميل الكلف" والإنهاك الاستنزافي
عسكرياً، أثبت المحور تفوقه في إدارة "حرب الكلف غير المتناظرة". فبينما استنزف الخصم مخزونه المالي والتقني في محاولات اعتراض يائسة، حافظت المقاومة على زخمها العملياتي بكلف مدروسة. هذا الاستنزاف لم يقتصر على الجانب المادي، بل امتد ليشمل "الآكل السريع" لهيبة القوة العظمى، مما خلق حالة من الإرباك السياسي لدى مراكز صنع القرار في واشنطن وتل أبيب.
ثالثاً: وحدة الساحات ككتلة سياسية صلبة: من الناحية الجيوسياسية، يمثل مشهد "وحدة الساحات" تحولاً من التحالفات التكتيكية إلى "الاندماج الاستراتيجي الشامل". إن التنسيق العالي بين طهران وبغداد وبيروت وصنعاء ودمشق، خلق كتلة بشرية وعسكرية متماسكة أفشلت مشاريع العزل والاحتواء، وفرضت "توازناً حرجاً" يجعل من أي حماقة يرتكبها العدو مغامرة وجودية غير محسوبة النتائج.
إننا أمام واقع دولي جديد، حيث لم تعد القوة تُقاس بحجم الأساطيل، بل بالقدرة على الصمود الاستراتيجي وفرض الإرادة. إن ما تحقق في "الأربعين" هو إعلان رسمي عن نهاية عصر الهيمنة الأحادية، وبداية عصر "السيادة المستندة إلى القوة والمبدأ".
- من مضيق هرمز إلى فلسطين القدس وحدة الساحات ككتلة صلبة في مواجهة مشاريع التفتيت.
ولاء الدلال
دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
