مع اقتراب انتهاء مهلة الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران في 22 أفريل 2026، تقف إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام اختبار استراتيجي معقّد تتداخل فيه حسابات السياسة الداخلية مع معادلات الردع الإقليمي ومصالح الطاقة العالمية. فغياب اتفاق نهائي، مقروناً بمواقف متشددة من واشنطن، يعكس حالة من الترقب الحذر التي قد تفضي إلى أحد عدة مسارات، لكل منها كلفته ومخاطره.
في جوهر الأزمة، تسعى إدارة ترامب إلى تحقيق معادلة صعبة: فرض اتفاق أكثر صرامة من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. التمسك بالشروط الأصلية يعكس هذا التوجه بوضوح، إذ تراهن واشنطن على أن الضغط الاقتصادي والسياسي المستمر قد يدفع طهران إلى تقديم تنازلات في اللحظات الأخيرة. غير أن هذه المقاربة، رغم قوتها التفاوضية، تحمل في طياتها مخاطرة حقيقية، تتمثل في احتمال صمود إيران ورفضها الانصياع، ما قد يؤدي إلى انهيار المسار الدبلوماسي بالكامل.
في المقابل، يبدو خيار تمديد الهدنة أقل جاذبية سياسياً لترامب، خاصة في ظل خطابه الذي يميل إلى الحسم وإظهار القوة. فالتمديد قد يُفسَّر داخلياً كعلامة ضعف أو تراجع، حتى وإن كان عملياً يمنح مساحة إضافية للمفاوضات. لذلك، فإن هذا الخيار يظل وارداً من الناحية التقنية، لكنه يفتقر إلى الزخم السياسي اللازم لاعتماده كمسار رئيسي.
أما سيناريو التسوية المحدودة، فيمثل نقطة التقاء بين الواقعية السياسية ومتطلبات الأمن. فهو يتيح للطرفين حفظ ماء الوجه عبر تقديم تنازلات جزئية: تجميد بعض الأنشطة النووية مقابل تخفيف محدود للعقوبات. هذا النوع من الاتفاقات لا يحل جذور الأزمة، لكنه ينجح في إدارتها ومنع تفاقمها. ومن هذا المنطلق، يبدو هذا الخيار الأكثر قابلية للتحقق، خاصة إذا أدرك الطرفان أن البدائل الأخرى أكثر كلفة.
في ظل تعثر المسار السياسي، يظل الخيار العسكري حاضراً كأداة ضغط وردع، وليس بالضرورة كخيار أولي. الحديث عن “عمليات محدودة” يعكس رغبة في توجيه رسائل قوة دون الانخراط في حرب شاملة. لكن التاريخ يُظهر أن مثل هذه العمليات قد تنزلق سريعاً إلى تصعيد أوسع، خصوصاً في منطقة شديدة الحساسية مثل الشرق الأوسط، حيث تتداخل المصالح وتتشابك خطوط النفوذ.
أما خيار إعلان النصر والانسحاب، فرغم وجوده نظرياً، يبدو ضعيفاً عملياً، لما ينطوي عليه من كلفة سياسية واستراتيجية. فالانسحاب دون تحقيق مكاسب واضحة قد يضر بصورة الولايات المتحدة كقوة قادرة على فرض شروطها، ويبعث برسائل سلبية إلى الحلفاء ويشجع الخصوم.
تحليل هذه السيناريوهات يكشف أن الأزمة لا تُحسم فقط على طاولة المفاوضات، بل في إطار أوسع يشمل حسابات الداخل الأمريكي، حيث يسعى ترامب إلى تحقيق إنجاز سياسي يعزز موقعه، وكذلك توازنات الإقليم، حيث تراقب القوى الكبرى والإقليمية أي تحول في ميزان القوة. كما يلعب عامل الطاقة دوراً محورياً، إذ إن أي تصعيد قد ينعكس فوراً على الأسواق العالمية ويزيد من حدة التوتر الاقتصادي.
في المحصلة، تبدو الولايات المتحدة وإيران أمام مفترق طرق دقيق، حيث لا يملك أي طرف رفاهية التصعيد الكامل ولا القدرة على تقديم تنازلات شاملة. وبين هذين الحدّين، تبرز التسوية المحدودة كخيار “أقل الخسائر”، في انتظار لحظة سياسية أكثر نضجاً قد تسمح باتفاق أوسع. وحتى ذلك الحين، ستظل الأزمة مفتوحة على احتمالات متعددة، تحكمها حسابات دقيقة أكثر مما تحكمها النوايا المعلنة.
شمس اليوم نيوز
