التاريخ لا يُكتب بحبلٍ من مسد، ولا يُصاغ بخرافاتٍ على نهج أبي جهل، ولا يُبنى على رواياتٍ خالية من الحقيقة أو من أي وازعٍ أخلاقي. فالتاريخ، في جوهره، ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو ميزانٌ دقيق تُوزن به الأمم، وتُقاس به شرعية الأفكار والسلطات.
غير أن ما نشهده في واقعنا ليس كتابةً للتاريخ، بل محاولة مستمرة لاختطافه. تُستبدل الحقائق بالسرديات المريحة، وتُقدَّم القوة باعتبارها دليلاً على الشرعية، ويُعاد تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم لحظةً سياسية عابرة، لا حقيقةً ثابتة. وهنا تكمن الخطورة: حين يتحول التاريخ من سجلٍ للحقيقة إلى أداةٍ للهيمنة.
إن الذين يكتبون التاريخ بمنطق الغلبة ينسون حقيقةً بسيطة: أن ما يُكتب تحت ضغط اللحظة، ينهار أمام اختبار الزمن. فالتاريخ الحقيقي لا يعيش في خطاباتٍ صاخبة، ولا في بياناتٍ رسمية، بل يرسخ في ضمير الشعوب، ويصمد لأنه قائم على وقائع لا يمكن محوها.
التاريخ هو الثابت… كوثوق الوتد في الأرض. قد تحاول العواصف أن تقتلع هذا الوتد، وقد تتراكم حوله الأتربة، لكن جوهره يبقى راسخًا. كذلك الحقيقة، قد تُحجب، وقد يُساء تأويلها، لكنها لا تختفي.
المشكلة ليست فقط في من يزوّر التاريخ، بل أيضًا في من يقبل هذا التزييف دون مساءلة. فالتاريخ لا يُحمى بالصمت، بل بالنقد، ولا يُصان بالترديد، بل بالفهم. وكل مجتمعٍ يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والرواية المصنوعة، يفتح الباب واسعًا أمام إعادة تشكيل وعيه وفق مصالح لا تمثله.
إن الدفاع عن التاريخ ليس ترفًا فكريًا، بل هو دفاع عن المستقبل. لأن أمةً تُضلَّل في ماضيها، يسهل توجيهها في حاضرها، والتحكم في مسارها القادم.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست على ما حدث فقط، بل على كيف يُروى ما حدث. بين تاريخٍ يُكتب بالقوة، وتاريخٍ يُثبت بالحقيقة، تبقى الكلمة الفصل للزمن… لا للأصوات الأعلى، بل للوقائع الأصدق.
فالتاريخ، في النهاية، لا يُكتب بالقوة ولا بالخرافة… بل يُثبت بالحقيقة، كوتدٍ راسخٍ في الأرض، لا تهزّه الأهواء، ولا تغيّره الروايات الزائفة.
وفي السياق الليبي، تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحًا وحدّة. فالمشهد لا يقتصر على صراعٍ سياسي أو تنافسٍ على السلطة، بل يمتد إلى صراعٍ موازٍ على الرواية ذاتها: من يملك حق تفسير ما جرى، ومن يحدد أين تبدأ الشرعية وأين تنتهي.
منذ أحداث ثورة 17 فبراير، لم تتوقف محاولات إعادة كتابة الوقائع، كلٌّ وفق موقعه ومصلحته. فهناك من يسعى لتقديمها كحقيقةٍ مطلقة لا تقبل النقد، وهناك من يعمل على نفيها أو تشويهها بالكامل. وبين هذا وذاك، تضيع الحقيقة في ضجيج السرديات المتناقضة.
وفي هذا السياق أيضًا، تبرز محاولة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في التعامل مع مرحلة الأربعين عامًا من حكم معمر القذافي وكأنها فراغٌ يجب شطبه من التاريخ، أو اختزالها في صورة “الشر المطلق” دون تفكيك أو تحليل. وهي مقاربة قاصرة، لأن التاريخ لا يُدار بمنطق المحو، بل بمنطق الفهم. فالتاريخ أشبه بسبحةٍ مترابطة الحلقات؛ إذا حاولت فصل حلقةٍ منها، تفرّط عقدها كله، وانهارت بنيته. إن هذه المرحلة، بما لها وما عليها، جزء من التكوين التاريخي للدولة الليبية، ولا يمكن فهم الحاضر أو استشراف المستقبل دون قراءتها قراءةً نقدية متوازنة، لا تقديس فيها ولا شيطنة.
الأخطر من ذلك أن منطق “القوة تصنع الحقيقة” بدأ يتسلل إلى الوعي العام، بحيث يُعاد تعريف الشرعية وفق موازين السيطرة لا وفق قواعد الدولة أو القانون. وهنا يتحول التاريخ إلى أداة تبرير، لا إلى مرآةٍ للواقع.
لكن ليبيا، رغم كل هذا التشويش، ليست استثناءً من قاعدة التاريخ الكبرى: ما يُفرض بالقوة قد يفرض واقعًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع حقيقةً دائمة. فالتاريخ الليبي، بكل تعقيداته، سيُعاد قراءته يومًا ما بعيدًا عن ضغوط اللحظة، وستُفرز فيه الوقائع عن الروايات، والحقائق عن الدعاية.
إن التحدي الحقيقي أمام الليبيين اليوم ليس فقط في بناء مؤسسات الدولة، بل في حماية الذاكرة الوطنية من العبث. لأن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة السياسة، بل قد تكون هي التي تحسمها في النهاية.
فليبيا لا تحتاج فقط إلى تسوية سياسية، بل تحتاج أيضًا إلى مصالحة مع الحقيقة… حقيقة لا تُكتب بحبلٍ من مسد، ولا تُروى بخرافة، بل تُثبت كما هو التاريخ دائمًا: كوتدٍ راسخٍ في الأرض.
بقلم فتحى عمر الشبلى
