يشكل النفط منذ أكثر من قرن شريان الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب في تدفقه ينعكس مباشرة على الاستقرار المالي والسياسي للدول. وفي حال اندلاع حرب مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، فإن أسواق الطاقة ستكون من أولى الساحات التي تتلقى الصدمة. فالمسألة لا تتعلق بدولتين متخاصمتين فحسب، بل بمنطقة تعد القلب النابض لإمدادات النفط العالمية، وبممرات بحرية تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة في العالم.
إيران تُعد من كبار منتجي النفط في منظمة أوبك، وتمتلك احتياطيات ضخمة تؤهلها للعب دور مؤثر في توازن السوق. أي استهداف لمنشآتها النفطية أو موانئها التصديرية سيؤدي فورًا إلى تراجع المعروض العالمي. لكن التأثير لا يتوقف عند حدود الإنتاج الإيراني؛ فمجرد تصاعد التوتر العسكري كفيل بإضافة ما يُعرف في الأسواق بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية"، وهي زيادة في الأسعار تعكس مخاوف المستثمرين من تعطل الإمدادات. وغالبًا ما تتحرك الأسعار بسرعة تفوق حجم الخسائر الفعلية في الإنتاج، لأن السوق تتعامل مع التوقعات بقدر تعاملها مع الواقع.
يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في أي سيناريو تصعيد. فهذا الممر البحري الضيق تمر عبره قرابة خُمس تجارة النفط العالمية يوميًا. وإذا ما تعرض لتهديد جدي أو لإغلاق جزئي، فإن الأسواق قد تشهد قفزات حادة في الأسعار نتيجة الخشية من اختناق الإمدادات. حتى دون إغلاق فعلي، فإن المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين والشحن قد ترفع كلفة البرميل عالميًا. وهنا لا يكون التأثير اقتصاديًا فحسب، بل يمتد إلى الجوانب السياسية، إذ ستسارع الدول الصناعية الكبرى إلى التدخل دبلوماسيًا أو عسكريًا لضمان استمرار تدفق الطاقة.
في المدى القصير، من المرجح أن ترتفع الأسعار بشكل حاد، وربما تتجاوز مستويات نفسية مهمة إذا بدا أن الصراع يتجه نحو التوسع. لكن في المدى المتوسط، تلعب عوامل أخرى دورًا في كبح الارتفاع. فالدول الخليجية الكبرى، مثل السعودية والإمارات، تمتلك طاقة إنتاجية احتياطية يمكن أن تُستخدم لتعويض جزء من النقص. كما أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى السحب من احتياطياتها الاستراتيجية لتهدئة السوق. كذلك يمكن أن تتجه بعض الدول المستهلكة إلى تنويع مصادرها أو تقليص الطلب مؤقتًا عبر سياسات ترشيد الطاقة.
مع ذلك، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية. فارتفاع الأسعار لفترات ممتدة يؤدي إلى زيادة التضخم عالميًا، ويرفع تكاليف النقل والصناعة، ويضغط على ميزانيات الدول المستوردة. وقد يتسبب ذلك في تباطؤ اقتصادي أو حتى ركود عالمي، كما حدث في أزمات نفطية سابقة. في المقابل، تستفيد الدول المصدرة من عائدات أعلى، لكن هذه المكاسب قد تكون مؤقتة إذا أدت الأسعار المرتفعة إلى تراجع الطلب أو تسريع التحول نحو مصادر الطاقة البديلة.
من زاوية أخرى، قد تؤدي الحرب إلى تسريع التحول الطاقوي عالميًا. فالاعتماد المفرط على منطقة جغرافية واحدة لطالما شكل مصدر قلق للدول الصناعية. ومع كل أزمة كبرى، تتعزز الدعوات للاستثمار في الطاقة المتجددة، والغاز الطبيعي، والهيدروجين، وحتى الطاقة النووية. وبالتالي، فإن الصراع – رغم آثاره السلبية الفورية – قد يدفع نحو إعادة هيكلة طويلة الأمد في منظومة الطاقة العالمية.
يبقى تأثير الحرب على أسعار النفط رهينًا بحجمها ومدتها ونطاقها الجغرافي. ضربات محدودة قد تؤدي إلى ارتفاع مؤقت سرعان ما يتلاشى، أما حرب شاملة تطال البنية التحتية والممرات البحرية فستُحدث صدمة كبيرة قد تهز الاقتصاد العالمي بأسره. وبين هذين الحدين، تتحرك الأسواق في مساحة من القلق والترقب، حيث تتحكم التوقعات بقدر ما تتحكم الوقائع. وفي عالم شديد الترابط، لا تبقى تداعيات الحرب محصورة في ساحة القتال، بل تمتد إلى محطات الوقود، وأسواق المال، وموائد المستهلكين في مختلف أنحاء العالم.
شمس اليوم نيوز
