في خضمّ الحرب الأخيرة التي شهدتها المنطقة، عادت سياسة الاغتيالات التي تنتهجها إسرائيل ضد قيادات مرتبطة بإيران إلى الواجهة بقوة، ليس فقط كأداة أمنية، بل كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة رسم ميزان القوى. هذه العمليات لم تعد أحداثًا معزولة، بل باتت مرتبطة بشكل مباشر بسياق الحرب الدائرة، سواء في غزة أو على الجبهات المرتبطة بها في لبنان وسوريا والعراق.
منذ بداية التصعيد، كثّفت إسرائيل استهداف شخصيات تُصنَّف ضمن “محور إيران”، سواء كانوا قادة ميدانيين في الحرس الثوري أو عناصر قيادية في الجماعات الحليفة. الهدف الظاهر هو تقليص قدرة هذا المحور على التنسيق والرد، ومنع فتح جبهات متعددة في وقت واحد. لكن في العمق، تعكس هذه الاغتيالات قناعة إسرائيلية بأن المواجهة مع إيران لم تعد مؤجلة، بل تُدار بشكل غير مباشر وعلى مراحل.
في هذا السياق، تبدو الاغتيالات كجزء من “حرب الظل” التي انتقلت إلى مستوى أكثر علنية. فاستهداف قيادات إيرانية أو مرتبطة بها خلال فترة الحرب يحمل رسالة مزدوجة: أولًا، أن إسرائيل قادرة على العمل في بيئات معقدة رغم انشغالها بجبهات مفتوحة، وثانيًا، أن أي انخراط إيراني أوسع سيُقابل بتصعيد مباشر يستهدف رأس الهرم القيادي، وليس فقط الأدوات الميدانية.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل أدت هذه الاغتيالات إلى إضعاف إيران فعليًا في سياق هذه الحرب؟
على المستوى التكتيكي، يمكن القول إن الضربات أحدثت إرباكًا واضحًا. فقدان قادة ميدانيين ذوي خبرة، خاصة أولئك الذين يشرفون على التنسيق بين الساحات المختلفة، يخلق فجوات مؤقتة في القيادة والسيطرة. كما أن هذه العمليات تضطر إيران إلى إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية، وتكريس موارد إضافية لحماية كوادرها، بدل التركيز الكامل على إدارة الصراع.
غير أن هذا التأثير يظل محدودًا زمنيًا. فإيران، بخلاف كثير من الفاعلين في المنطقة، تعتمد على بنية تنظيمية مرنة وشبكات متعددة المستويات، ما يسمح لها بامتصاص الصدمات بسرعة. القيادات البديلة غالبًا ما تكون جاهزة، والخبرة لا تتركز في شخص واحد بقدر ما هي موزعة داخل مؤسسات. لذلك، سرعان ما تستعيد هذه الشبكات قدرتها على العمل، وإن بوتيرة حذرة في البداية.
الأهم من ذلك أن الحرب الأخيرة أظهرت أن نفوذ إيران الإقليمي لم يتراجع بشكل حاسم. على العكس، استمرت الجبهات المرتبطة بها في ممارسة الضغط على إسرائيل، سواء عبر التهديد بفتح جبهة شمالية، أو من خلال عمليات محدودة لكنها مستمرة. هذا يعني أن الاغتيالات، رغم تأثيرها، لم تنجح في تفكيك البنية الإقليمية التي بنتها طهران على مدى سنوات.
سياسيًا، قد تكون النتائج أكثر تعقيدًا. فهذه العمليات، بدل أن تُضعف إيران داخليًا، تُستخدم أحيانًا لتعزيز خطابها القائم على “المواجهة مع العدو الخارجي”.
في ظل الحرب، يصبح من الأسهل تعبئة الرأي العام حول فكرة أن البلاد مستهدفة، ما يمنح القيادة مساحة أوسع للمناورة. في المقابل، تثير هذه الاختراقات الأمنية تساؤلات داخلية حول فعالية الأجهزة الأمنية، لكنها نادرًا ما تتحول إلى ضغط سياسي حقيقي في أوقات الأزمات الكبرى.
من زاوية أخرى، يمكن فهم هذه الاغتيالات كجزء من محاولة إسرائيل لإدارة الحرب ضمن سقف معيّن. فهي تسعى إلى توجيه ضربات موجعة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة مع إيران. بمعنى آخر، الاغتيالات تُستخدم كبديل عن حرب مفتوحة، وكوسيلة لإبقاء الخصم تحت الضغط المستمر دون كسر قواعد الاشتباك بشكل كامل.
في المحصلة، تكشف الحرب الأخيرة أن الاغتيالات الإسرائيلية ضد قيادات مرتبطة بإيران تُحقق مكاسب تكتيكية واضحة، لكنها لا ترقى إلى مستوى إضعاف استراتيجي شامل. إيران لا تخرج من هذه الضربات كما كانت تمامًا، لكنها أيضًا لا تنهار أو تفقد قدرتها على التأثير. ما يحدث هو إعادة تشكيل مستمرة للتوازن، حيث تتقدم جهة في جولة، ثم تعوّض الأخرى في جولة لاحقة.
وهكذا، بدل أن تكون الاغتيالات أداة حسم، تبدو أقرب إلى أداة إدارة صراع طويل، تُبقي المواجهة مشتعلة عند مستوى منخفض إلى متوسط، دون أن تصل إلى نقطة الانفجار الكبير. وفي ظل استمرار الحرب وتعقيداتها، من المرجح أن تبقى هذه السياسة حاضرة، كأحد أبرز ملامح الصراع بين إسرائيل وإيران في المرحلة المقبلة.
