وصف المدون

أخبار عاجلة






لا نكتب ترفًا فكريًا، ولا بحثًا عن شهرةٍ زائفة، ولا حبًا في الظهور، ولا لنمارس هواية انتقاد الناس… بل نكتب لأن في الصمت خيانة، ولأن الكلمة حين تُولد من وعيٍ صادق تصبح موقفًا لا مجرد حروف.

نكتب لأن وطنًا يغرق كل يوم لا يحتمل صمتًا آخر… ليس فقط بفعل الغريب، فذلك أمرٌ عرفناه، ولكن لأن الجرح الأعمق حين يكون بأيدي أبنائه، حين يتحول بعضهم من حماةٍ إلى معاول هدم، ومن درعٍ إلى خنجرٍ في خاصرة الوطن.

نكتب لأن الواقع لم يعد يُحتمل تجاهله، ولأن الحقيقة – مهما كانت مُرّة – أهون من الزيف المريح. نكتب لنفهم قبل أن نحكم، ولنُضيء قبل أن نُدين، ولنضع المرآة أمام أنفسنا قبل أن نرفعها في وجه الآخرين.

نكتب لنوقظ الضمير… إن كان في هذا الزمن بقيةٌ منه.

لنوقظ ذلك الصوت الخافت الذي يُدفن كل يوم تحت ركام المصالح، والخوف، والتبرير.

لنوقظ قلبًا تعوّد أن يرى ولا يتألم، وأن يسمع ولا يهتز، وأن يشهد الانهيار وكأنه لا يعنيه.

نكتب لأن أخطر ما يُصيب الأوطان ليس الخراب، بل الاعتياد على الخراب… ليس الألم، بل التعايش مع الألم حتى يصبح جزءًا من الروح.

لنقول إن الوطن ليس قطعة أرض تُباع وتُشترى، بل هو هوية وذاكرة وكرامة.

هو وجه الأم حين تبتسم رغم التعب، هو دعاء الأب حين يختنق خوفًا على أبنائه، هو ضحكة طفلٍ لم يتعلم بعد معنى الخوف، هو شوارع تحفظ أسماءنا وذكرياتنا، هو تاريخٌ إن ضاع… ضاعت معه ملامحنا.

نكتب لأن من يفقد وطنه يفقد نفسه، يتلاشى، يصبح بلا جذور ولا معنى، مجرد رقمٍ في زحام العالم، يبحث عن ظلٍّ لا يجده، وعن انتماءٍ لا يُشترى.

نكتب لأن من لا وطن له، لا أمّ له ولا أب… فالوطن هو الحضن الأول، وهو الاسم الذي نحمله قبل أسمائنا، وهو الكرامة التي إن سقطت سقط كل شيء بعدها.

نكتب لأن السكوت لم يعد حيادًا… بل مشاركة صامتة في الغرق.

ولأن التبرير لم يعد وجهة نظر… بل غطاءٌ للانهيار.

ولأن كل لحظة صمتٍ إضافية… تعني جزءًا آخر يُنتزع من هذا الوطن.

ألا تعقلون أنكم لا تتجاوزون بضعة ملايين، تعيشون في أرضٍ حباها الله بكل الخيرات؟

ألا تتساءلون كيف لوطنٍ يملك كل هذا الغنى أن يعيش هذا الفقر في واقعه؟

كيف خرجتم يومًا تطلبون الكرامة… ثم قبلتم أن تعودوا إلى ما هو أشد قسوة؟

خرجتم لأنكم رفضتم تسلط الفرد، ورفضتم حكم العائلة، ورفضتم التبعية للقبيلة…

فأين أنتم اليوم من ذلك؟

كيف قبلتم أن يُعاد إنتاج نفس القيود بأسماءٍ جديدة؟

كيف صار الحلم الذي ضحيتم من أجله سؤالًا مؤلمًا: ماذا بقي منه؟

ألا ترون الخطر وهو يتسلل بصمت؟

ألا تدركون أن التفتت لا يأتي دفعةً واحدة، بل يبدأ حين نفقد الإحساس بوحدة المصير؟

حين ينشغل كل طرفٍ بنفسه، ويُترك الوطن وحده ينزف؟

نكتب لأننا نخاف أن يأتي يومٌ لا نجد فيه ما ندافع عنه…

نكتب لأننا نرفض أن نصحو على واقعٍ لم نعد نعرف فيه أنفسنا، ولا نعرف فيه وطننا.

نكتب لأن التغافل اليوم… قد يصبح ندمًا لا ينفع غدًا.

فالكتابة ليست استعراضًا، بل مسؤولية. ليست منصة للضجيج، بل صرخة وعي في وجه الغفلة، ورجفة إحساس في قلبٍ كاد أن يتحجر.

لا نكتب لنجلد فقط، بل لنحذّر… لا لنُدين فحسب، بل لنوقظ… لا لنبكي على الأطلال، بل لنمنع أن تتحول كل الأيام إلى أطلال.

نكتب لأننا نؤمن أن الكلمة قد لا تُنقذ وطنًا دفعةً واحدة، لكنها قادرة أن تُوقظ عقلًا، وتُحرّك ضميرًا، وتُشعل في داخل إنسانٍ واحد شعورًا بالمسؤولية… وربما يكون هذا الإنسان هو البداية.

نكتب… لعلّ حرفًا واحدًا يصل إلى قلبٍ لم يمت بعد،

لعلّ جملةً تُوقظ عينًا أرهقها الاعتياد،

لعلّ ضميرًا يرتجف للحظة… فيتذكّر أنه ما زال حيًا.



بقلم فتحى عمر الشبلى...

Back to top button