بناءا على هذا التصعيد الدراماتيكي في مطلع عام 2026، فإن المشهد الدولي لم يعد يقتصر على المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، بل امتد ليشمل صراعاً خفياً ومعقداً بين القوى الكبرى، بالتزامن مع هزات عنيفة تضرب عصب الاقتصاد العالمي.
أولاً: الموقف الروسي الصيني.. بين "ضبط النفس" والرهانات المفقودة
تجد روسيا نفسها اليوم في موقف حرج للغاية؛ فإيران التي كانت "المزود الاستراتيجي" بالمسيرات والذخائر في حرب أوكرانيا، أصبحت الآن غارقة في الدفاع عن وجودها. موسكو، المنشغلة بجبهاتها الأوروبية، لا تملك القدرة على التدخل العسكري المباشر لحماية طهران، لكنها تستخدم "الفيتو" السياسي لعرقلة أي شرعية دولية للضربات، محذرة من أن سقوط النظام الإيراني سيعني تحويل القوقاز وآسيا الوسطى إلى بؤر توتر تهدد أمنها القومي.
أما الصين، فهي اللاعب الأكثر هدوءاً والأكثر قلقاً في آن واحد. بكين تعتمد على إيران كمصدر رئيسي للطاقة وكشريان حيوي في مبادرة "الحزام والطريق". وبينما تدعو "التنين الصيني" علانية إلى ضبط النفس، فإنها تعمل خلف الكواليس لتأمين بدائل طاقية من دول الخليج، خوفاً من أن يؤدي انهيار النظام في طهران إلى سيطرة أمريكية مطلقة على ممرات الطاقة في الخليج العربي، مما يضع الاقتصاد الصيني تحت رحمة "الصنبور الأمريكي".
ثانياً: زلزال الطاقة.. هل ينهار الاقتصاد العالمي؟
مع انطلاق العمليات العسكرية واستهداف المنشآت الحيوية، دخلت أسواق الطاقة في حالة من الهلع (Panic Mode):
أسعار النفط: قفز برميل "برنت" ليتجاوز مستويات قياسية (تخطت الـ 130 دولاراً في تداولات الأسبوع الأول من مارس 2026)، وسط مخاوف حقيقية من إغلاق مضيق هرمز.
سلاسل التوريد: أي تهديد للملاحة في الخليج يعني توقف 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، وهو ما قد يؤدي إلى موجة تضخم عالمية تفوق تلك التي أعقبت أزمة 2022.
الرد الإيراني اليائس: تراهن إيران في لحظاتها الأخيرة على "استراتيجية الأرض المحروقة"، أي استهداف حقول النفط في الدول المجاورة أو تخريب كابلات الإنترنت البحرية، مما يجعل تكلفة "إنهاء النظام" باهظة جداً على جيوب المستهلكين في أوروبا وأمريكا.
ثالثاً: ملامح الشرق الأوسط الجديد (ما بعد الضربة)
إذا نجحت الضربات في "تحجيم" النظام أو إسقاطه، فإننا سنشهد ولادة خريطة جيوسياسية جديدة:
تراجع "الأيديولوجيا" لصالح "البراغماتية": ستضطر القوى الإقليمية للبحث عن تسويات شاملة (اليمن، سوريا، لبنان) لأن المحرك المالي والعقائدي لتلك الصراعات قد تعطل.
سباق التسلح التكنولوجي: ستسعى دول المنطقة لامتلاك أنظمة دفاع جوي وهجوم سيبراني متطورة جداً، بعد أن شاهدت كيف يمكن للتكنولوجيا أن تشلّ دولة بحجم إيران في أيام معدودة.
تحدي الفراغ: الخطر الأكبر يكمن في "الفراغ الأمني"؛ فالتاريخ يثبت أن غياب سلطة مركزية في طهران قد يحول إيران إلى "ساحة حرب بالوكالة" بين القوى الكبرى، وهو سيناريو سيء للجميع.
نحن أمام لحظة "إعادة ضبط" للتاريخ في الشرق الأوسط. القوى الكبرى (روسيا والصين) تدرك أن قواعد اللعبة القديمة قد انتهت، والأسواق العالمية تترقب بحذر. السؤال الآن ليس "هل يتغير النظام؟" بل "ما هو الثمن الذي سيدفعه العالم مقابل هذا التغيير؟".
شمس اليوم نيوز
