وصف المدون

أخبار عاجلة




في أخطر ما قيل مؤخرًا على لسان مسؤولٍ أمريكي رسمي، بدا أن اللغة الدبلوماسية قد تراجعت خطوة، ليحلّ محلها خطابٌ مشحون برؤية أيديولوجية صريحة. الحوار الذي أجراه الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون مع السفير الأمريكي لدى تل أبيب مايك هاكابي لم يكن مجرد مقابلة عابرة، بل كشف عن مناخٍ فكري يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية إلى تأويلات دينية تُثير قلقًا مشروعًا في المنطقة.

حين يُستدعى “سفر التكوين” في نقاشٍ سياسي معاصر لتبرير حدودٍ جغرافية تمتد من النيل إلى الفرات، فإننا لا نكون أمام رأيٍ شخصي معزول، بل أمام خطابٍ يعكس تيارًا أيديولوجيًا موجودًا داخل بعض دوائر التفكير الغربي. الخطورة هنا لا تكمن فقط في الفكرة ذاتها، بل في صدورها عن شخصية تمثل رسميًا الولايات المتحدة على أرضٍ مشتعلة أصلًا بالتوترات.

وعندما يُواجَه مثل هذا الطرح بحقيقة أنه يعني ابتلاع دولٍ قائمة ذات سيادة – من الأردن إلى سوريا ولبنان، مرورًا بأجزاء من السعودية والعراق ومصر – ويُجاب عليه بعبارة توحي بعدم الاكتراث بحجم التداعيات، فإن الرسالة تتجاوز حدود الجدل الإعلامي. إنها تمس جوهر مفهوم الدولة الوطنية في العالم العربي، وتضع سؤال السيادة في قلب النقاش.

من الناحية الواقعية، السياسة الدولية لا تُدار بالنصوص الدينية، بل بموازين القوى والمصالح والاستقرار الإقليمي. غير أن خطورة المزج بين الاعتقاد الديني وصناعة القرار السياسي تكمن في أنه يفتح الباب أمام صراعات وجودية لا حلول وسط فيها. فالسياسة تقبل التفاوض، أما “النبوءة” فلا تعترف إلا بالتحقق.

مع ذلك، من المهم التمييز بين التصريحات الفردية – حتى وإن صدرت عن مسؤول – وبين الاستراتيجية المؤسسية للدول. فالولايات المتحدة، كدولة، محكومة بمؤسسات وتشريعات وتوازنات داخلية وخارجية معقدة، ولا يمكن اختزال سياستها في تصريح واحد مهما كان مستفزًا. لكن في الوقت نفسه، لا يجوز تجاهل دلالات الخطاب حين يخرج بهذا الوضوح.

الرسالة الأهم للعالم العربي ليست الانجرار إلى خطاب تعبوي، بل إدراك أن الأمن القومي لا يُصان بالشعارات، وإنما ببناء قوة داخلية حقيقية: وحدة سياسية، تماسك اقتصادي، واستقلال قرار. فالدول التي تُحسن إدارة مواردها وتحصين جبهتها الداخلية، تصبح أقل عرضة لأن تكون موضوعًا لأطروحات توسعية، أياً كان مصدرها.

إن أخطر ما في التصريحات المثيرة ليس كلماتها وحدها، بل ما تكشفه من تحولات في المزاج السياسي لبعض التيارات المؤثرة. والتعامل الرشيد مع ذلك لا يكون بالهلع، بل بالوعي، ولا بالصراخ، بل ببناء موقف عربي متماسك يستند إلى القانون الدولي، وإلى حق الشعوب في سيادتها الكاملة على أراضيها دون تأويل أو وصاية.


بقلم فتحى عمر الشبلى...

Back to top button