لم تعد فكرة “النظام الدولي القائم على القانون” سوى شعار يُستدعى عند الحاجة، ويُغيَّب حين تتعارض أحكامه مع مصالح القوى الكبرى. فالتجربة الفنزويلية تكشف بوضوح كيف يمكن لبعض النُّظم الدولية أن تعمل، تاريخيًا وعمليًا، على تكريس منطق القوة بدلًا من حماية الشرعية، وتحويل القانون الدولي من إطار ضابط للعلاقات بين الدول إلى أداة لشرعنة الهيمنة.
ما جرى في فنزويلا لا يمكن فصله عن النفط. فحين تتقاطع الثروات الاستراتيجية مع الطموحات الجيوسياسية، يتراجع منطق السيادة، ويُستبدل بقانون غير مكتوب مفاده أن الأقوى يفرض إرادته، ولو على حساب استقرار الدول وحق شعوبها في إدارة مواردها. والسيطرة الأمريكية على النفط الفنزويلي، بشكل مباشر أو غير مباشر، ليست سوى نموذج صارخ لهذا النهج الذي يُدار بغطاء سياسي وقانوني هش.
الانعكاسات لا تتوقف عند حدود فنزويلا. فأسواق الطاقة مترابطة، وأي عبث بمصدر رئيسي سينعكس حتمًا على أسعار النفط عالميًا، وعلى اقتصادات الدول الهشة قبل القوية. وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا عن ليبيا؟
ليبيا، الدولة التي تمتلك ثروة نفطية ضخمة لكنها لا تتحكم فعليًا في كل صادراتها ولا في مسارات قرارها الاقتصادي، تبدو أكثر عرضة لتأثيرات هذا النموذج. فإذا كان القانون الدولي قد فشل في حماية فنزويلا من منطق القوة، فهل يستطيع أن يحمي ليبيا في ظل الانقسام السياسي، وغياب الدولة الموحدة، وتعدد مراكز القرار؟
ليبيا اليوم تقف بين مشهدين لا ثالث لهما:
إما أن تنزلق إلى دولة تحت خط الفقر، وتُربط قسرًا ببرامج صندوق النقد الدولي، في حال انهارت أسعار النفط أو فقدت السيطرة على عائداته، فتُدار سياساتها الاقتصادية من الخارج وتُفرغ سيادتها من مضمونها الحقيقي.
وإما أن يُعاد إنتاج السيناريو الفنزويلي بصيغة أخرى، حيث تتحول الفوضى والانقسام إلى ذريعة لتدخل عسكري مباشر أو غير مباشر، وتُفرض الوصاية على النفط والغاز، ويُقال عندها إن ما جرى كان “ضرورة لحماية الاستقرار”.
قد يقول البعض إن هذه السيناريوهات مجرد تخاريف أو مبالغات سياسية، لكن التاريخ القريب يعلّمنا أن الفنزويليين أنفسهم كانوا يقولون بالأمس الشيء ذاته، قبل أن تتحول “التخاريف” إلى واقع يومي قاسٍ. وفي عالم تحكمه المصالح أكثر مما تحكمه القوانين، فإن تجاهل الإشارات المبكرة لا يعني النجاة، بل يسرّع السقوط.
بقلم فتحى عمر الشبلى....
