أثارت تحقيقات صحفية دولية وتقارير برلمانية أوروبية ضجة واسعة حول دور دولة الإمارات في تمويل وإدارة حملات سرية واسعة النطاق لتشويه صورة الإسلام والمسلمين في أوروبا.
هذه الحملات، التي استهدفت أكاديميين ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات إسلامية بارزة، كشفت عن شبكة معقدة من شركات العلاقات العامة والاستخبارات الخاصة التي عملت على زرع الخوف والريبة تجاه الوجود الإسلامي في القارة.
أسرار أبو ظبي”… حين تتحول مكافحة التطرف إلى هندسة للاتهام العابر للحدود
وتعود تفاصيل القضية إلى التحقيق الاستقصائي الدولي المعروف باسم “أسرار أبو ظبي” (Abu Dhabi Secrets)، الذي نشرته مجموعة الصحفيين الاستقصائيين الأوروبيين (EIC) عام 2023، تسليط الضوء على جانب مظلم من التدخلات الأجنبية في الفضاء الأوروبي، حيث لم تعد المعارك السياسية والإقليمية تُخاض بالسلاح فقط، بل عبر حملات تشويه منظمة تستهدف السمعة والوجود المدني والمعرفي لمسلمين وأكاديميين ومنظمات تعمل بشكل قانوني داخل أوروبا.
فقد كشف التحقيق، استنادًا إلى وثائق مسربة، أن دولة الإمارات تعاقدت مع شركة استخبارات خاصة مقرها سويسرا تُدعى “Alp Services”، لتنفيذ حملة ممنهجة تحت عنوان “مكافحة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي”. غير أن مضمون الوثائق بيّن أن هذا العنوان لم يكن سوى غطاء فضفاض لحملة أوسع نطاقًا، استهدفت طيفًا كبيرًا من الشخصيات والمنظمات التي لا تتماهى مع الخطاب الإماراتي، حتى وإن لم تكن لها أي صلة تنظيمية أو فكرية بجماعة الإخوان المسلمين.
وبحسب التحقيق، قامت الشركة بجمع بيانات عن أكثر من ألف شخص ونحو 400 منظمة في 18 دولة أوروبية، وجرى تصنيفهم بشكل تعسفي على أنهم “متعاطفون مع الإخوان” أو “متطرفون”، قبل تسليم هذه القوائم إلى أجهزة استخبارات إماراتية. ولم تقتصر هذه العملية على جمع المعلومات، بل ترافقت مع حملات إعلامية ممنهجة، شملت نشر معلومات مضللة وتسريبات موجّهة عبر وسائل إعلام ومنصات تواصل اجتماعي، بهدف تشويه السمعة وخلق بيئة من الشك الأمني حول المستهدفين.
وقد ترتبت على هذه الحملات أضرار واقعية، تمثلت في تجميد حسابات بنكية، فقدان وظائف، تضييق إداري وأمني، إضافة إلى حملات تحريض علنية طالت أفرادًا ومنظمات تعمل ضمن الأطر القانونية الأوروبية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، حالة الأكاديمي النمساوي البروفيسور فريد حافظ، المتخصص في دراسات الإسلاموفوبيا، والذي تعرض لحملة تشويه أثرت بشكل مباشر على مسيرته الأكاديمية، في مؤشر خطير على أن الاستهداف لم يقتصر على النشاط السياسي أو الدعوي، بل طال البحث العلمي ذاته عندما يصبح ناقدًا للسرديات السائدة.
الإسلاموفوبيا وصراع النفوذ: التداعيات السياسية والأخلاقية
لم تبقِ هذه القضية في إطار التحقيقات الصحفية فحسب، بل انتقلت إلى مستوى النقاش السياسي الرسمي داخل الاتحاد الأوروبي، حيث أُثيرت في البرلمان الأوروبي عبر أسئلة برلمانية طالبت المفوضية الأوروبية بالتحقيق في هذه التدخلات الأجنبية، وما إذا كانت تشكل انتهاكًا لحرية التعبير، واستقلال المجتمع المدني، وحقوق الأقليات الدينية في أوروبا. ويعكس هذا التطور إدراكًا متزايدًا بأن ما يجري لا يتعلق فقط بحملات علاقات عامة، بل بمحاولات ممنهجة للتأثير في القرار الأوروبي وصياغة سياساته الداخلية.
ويرى محللون أن دوافع الإمارات في هذه الحملات تتجاوز بكثير خطاب “مكافحة الإرهاب”، لتدخل في إطار صراع نفوذ إقليمي ودولي. فربط أي منظمة أو شخصية إسلامية لا تتبنى الخطاب الإماراتي بتهم “التطرف” أو “الإرهاب” يخدم هدف عزل الخصوم الإقليميين، ولا سيما الجهات التي يُنظر إليها على أنها قريبة من دول منافسة مثل قطر أو تركيا، كما يساهم في دفع الحكومات الأوروبية نحو سياسات أكثر تشددًا تجاه الوجود الإسلامي.
إلى جانب ذلك، تسعى الإمارات إلى فرض سردية محددة لما تسميه “الإسلام المعتدل”، مقدمة نفسها كنموذج وحيد مقبول لدى الغرب، بينما يجري شيطنة أي تعبير إسلامي مستقل أو نقدي بوصفه تهديدًا أمنيًا. هذه المقاربة لا تضر فقط بالمسلمين المستهدفين، بل تقوض القيم التي تقوم عليها الديمقراطيات الأوروبية نفسها، وفي مقدمتها حرية الرأي والتعددية الفكرية.
ويحذر مراقبون من أن أخطر تداعيات هذه الحملات هو تغذية ظاهرة الإسلاموفوبيا في أوروبا، إذ يؤدي استهداف شخصيات ومنظمات مسلمة تعمل بشكل سلمي وقانوني إلى ترسيخ صورة نمطية سلبية عن المسلمين ككل، ويخلق مناخًا من الخوف والارتياب يخدم أجندات اليمين المتطرف، ويقوض جهود الاندماج والتعايش داخل المجتمعات الأوروبية. وفي هذا السياق، لا تبدو “أسرار أبو ظبي” مجرد فضيحة عابرة، بل مؤشرًا على معركة أعمق حول من يملك حق تعريف “الاعتدال” و”التطرف”، ومن يدفع ثمن هذا التعريف سياسيًا وإنسانيًا.
شمس اليوم نيوز
