وصف المدون

أخبار عاجلة




لا يختلف اثنان في أن السياسة الخارجية الأميركية شهدت تحوّلًا عميقًا منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحوّل لا يمكن تفسيره فقط عبر شخصية الرئيس المثيرة للجدل أو أسلوبه الاستعراضي في الخطاب والتعامل، بل عبر إعادة تموضع واعية للولايات المتحدة داخل النظام الدولي، تقوم على إزاحة الغطاء القيمي والأخلاقي الذي طالما رافق الخطاب الأميركي، وتعويضه بمنطق القوة الصريحة والصفقة المباشرة. فالنزعة الذاتية والنرجسية التي تطبع شخصية ترامب لم تكن منشأ هذا التحول بقدر ما كانت أداة كاشفة له، إذ أخرجت إلى العلن ما ظل لسنوات طويلة يُمارَس في الخفاء داخل دوائر التخطيط الاستراتيجي ومجمع الصناعات العسكرية ولوبيات السلاح والطاقة.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى العملية العسكرية التي استهدفت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كاراكاس بوصفها حادثًا استثنائيًا أو انحرافًا ظرفيًا، بل هي امتداد مباشر لتاريخ طويل من التدخلات العسكرية الأميركية التي جعلت من العمليات الخاصة والاستخباراتية أداة مركزية في السياسة الخارجية منذ الحرب العالمية الثانية. فكما حدث في بنما سنة 1990، حين أُطيح بمانويل نورييغا تحت غطاء “إعادة الشرعية”، تتكرر اليوم ذات الذرائع مع اختلاف في الأسلوب وجرأة في الإعلان، بما يؤكد أن التاريخ في الممارسة الإمبريالية الأميركية لا يُستحضَر بوصفه درسًا، بل يُعاد إنتاجه بوصفه نموذجًا صالحًا للتكرار.

وإذا كانت ردود فعل الصحافة الدولية قد انشغلت بالطابع الاستعراضي للعملية وبانتهاك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، فإن جوهر الاعتراض بدا في حقيقته أخلاقيًا انتقائيًا، إذ لم تُثر الانتهاكات ذاتها حين جرت في الخفاء، كما في الانقلاب على حكومة سلفادور أليندي في شيلي سنة 1973، ما يكشف أن الإشكال بالنسبة إلى كثير من النخب الغربية لا يتعلق بالفعل في حد ذاته، بل بدرجة علنيته وتهديده للصورة التي تحرص “القيم الغربية” على تسويقها عن نفسها.

هذا السلوك التدخلي لا ينفصل عن البنية العسكرية الأميركية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، حيث راكمت الولايات المتحدة شبكة واسعة من القواعد العسكرية المنتشرة في أوروبا وآسيا والخليج وأفريقيا، يتراوح عددها بين 750 و800 قاعدة وفق تقديرات متعددة. وإذا كانت القواعد الأوروبية نتاجًا مباشرًا لتوازنات الحرب الباردة والصراع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، فإن القواعد الأخرى وُضعت بعناية في مناطق ترتبط مباشرة بالطاقة والتجارة والممرات البحرية، ما يجعل الجغرافيا أداة في خدمة الهيمنة، لا مجرد فضاء للدفاع.

ضمن هذا الإطار، أعاد ترامب تعريف السياسة الخارجية الأميركية باعتبارها امتدادًا مباشرًا للاقتصاد، حيث تتحول القوة العسكرية إلى أداة تفاوض، وتصبح الحرب وسيلة لإعادة توزيع النفوذ والأسواق. ويستند هذا المنطق إلى تداخل مصالح ثلاثة لوبيات رئيسية هي لوبي السلاح ولوبي الطاقة واللوبي الصهيوني، مع الاستفادة من لوبيات الإعمار ومكاتب الدراسات، في صيغة تجعل من العلاقات الدولية سوقًا مفتوحة تُدار بمنطق “من يدفع أكثر، يحصل على أكثر”. ولا يتردد ترامب في إسقاط هذا المنطق حتى على المنظمات الدولية، معتبرًا أن حجم المساهمة المالية الأميركية في ميزانية الأمم المتحدة يمنح واشنطن حقوقًا إضافية تتجاوز مبدأ المساواة والسيادة بين الدول.

في هذا السياق، يبدو تفعيل ترامب لمبدأ مونرو محاولة لإعادة رسم المجال الحيوي الأميركي، ليس فقط عبر إعادة أميركا اللاتينية إلى موقع “الحديقة الخلفية”، بل عبر توسيع هذا المبدأ ليشمل أفريقيا ومناطق أخرى تشهد تزاحمًا دوليًا حادًا، خصوصًا في ظل التمدد الصيني–الروسي. فالتدخلات الأميركية في فنزويلا ونيجيريا، والضغوط المتصاعدة على كوبا وإيران وكولومبيا، لا تهدف بالضرورة إلى إسقاط الأنظمة بقدر ما تسعى إلى تدجينها وإعادة إدماجها في المدار الأميركي بأقل كلفة سياسية ممكنة.

وتحتل إسرائيل موقعًا محوريًا في هذا التصور، حيث يُنظر إلى أمنها باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي الأميركي. غير أن خصوصية ترامب تكمن في تحويل الدعم غير المشروط لإسرائيل، بما في ذلك تغطية العدوان على غزة، إلى رافعة اقتصادية لتسويق السلاح وتجديد عقود الاستثمار في الطاقة، وهو ما توضحه الصفقات العسكرية الضخمة التي رافقت جولاته الإقليمية. فالحرب، في هذا المنطق، ليست فشلًا للسياسة بل تتويجًا لها.

ورغم تعدد ساحات الاشتباك، يبقى هاجس التفوق الصيني هو المحرك الأعمق لسياسات ترامب الخارجية. فالعولمة، التي ساهمت في نقل الوظائف والصناعات خارج الولايات المتحدة، وراكمت مديونية قياسية، كشفت حدود النموذج الليبرالي الذي بشّر به الديمقراطيون. في المقابل، استفادت الصين من خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان لاختراق مناطق حيوية، خاصة في أفريقيا، عبر مبادرة “الحزام والطريق”، ما دفع ترامب إلى إسقاط هذا الشرط القيمي، والتعامل مع الأنظمة القائمة بمنطق الولاء والامتثال لا بمنطق الإصلاح والديمقراطية.

بلغ هذا النهج ذروته في تجاهل القانون الدولي والدستور الأميركي نفسه، حيث لم يتردد ترامب في تنفيذ عمليات عسكرية خارجية دون تفويض من الكونغرس، مستندًا إلى تأويل موسّع لصلاحياته الدستورية بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، ومعلنًا صراحة أن سلطته لا يقيّدها القانون الدولي ولا الأعراف الدبلوماسية. وقد أدى ذلك إلى تعميق الانقسام داخل النظام الدولي، حيث اصطف اليمين المحافظ والشعبوي خلف ترامب، مبررًا هذه السياسات بذريعة الدفاع عن الحرية أو تفعيل حق الدفاع الشرعي، في تأويل تعسفي لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

في هذا العالم الذي يتشكل تحت وطأة ما يمكن تسميته “السلام الأميركي القائم على الفوضى”، تبرز فرصة تاريخية للعرب للخروج من أسر الأيديولوجيات الجامدة، واستثمار تراجع الدور الأوروبي وتهميشه لإعادة التموضع كقوة وسيطة في توازنات دولية معقدة، دون القطيعة مع المظلة الأميركية، حتى وإن كان ثمن هذا الخيار موجعًا في المدى القريب. فالعالم لم يعد يُدار بلغة القيم، بل بلغة القوة، ومن لا يمتلك أدوات الفعل يجد نفسه دائمًا موضوعًا للسياسات لا فاعلًا فيها.


شمس اليوم نيوز 

Back to top button